اقتصاد

أسعار القمح تصعد بقوة مع اضطراب الشحن ومخاوف الطقس في الأسواق العالمية

لا تحتاج أسواق القمح العالمية إلى حدوث نقص فعلي في المخزونات حتى ترتفع الأسعار، إذ يمكن لأي اضطراب في النقل أو تراجع في التوقعات الخاصة بالمحاصيل المقبلة أن يدفع المشترين إلى زيادة مشترياتهم تحسبا لتفاقم ظروف الإمداد.

وهذا السيناريو يبرز بقوة خلال عام 2026، في ظل اجتماع عدة عوامل ضاغطة على السوق، من موجات الحر والجفاف في مناطق إنتاج رئيسية، إلى اضطراب حركة الشحن في البحر الأسود، وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، فضلا عن المخاوف المرتبطة بالقيود التجارية واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية.

وسجلت أسعار القمح أعلى مستوياتها في نحو 3 سنوات ونصف، مع تراجع التوقعات بشأن عودة صادرات البحر الأسود إلى مستوياتها المعتادة، بينما تواجه الدول المستوردة صعوبات متزايدة في ضمان وصول الشحنات في مواعيدها نتيجة ارتفاع المخاطر التي تواجه السفن والموانئ.

وبحلول 23 سبتمبر/أيلول، ارتفعت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بنحو 40% مقارنة بأدنى مستوياتها المسجلة في يونيو/حزيران، وفقا لبيانات نقلتها رويترز، وهو ما يهدد بزيادة الضغوط على تكاليف الغذاء، خصوصا في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات.

وأظهرت بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ارتفاع أسعار القمح عالميا بنسبة 2.6% خلال أغسطس/آب مقارنة بالشهر السابق، لتصبح أعلى بنحو 15% من مستوياتها قبل عام. كما ارتفع مؤشر أسعار الحبوب بنسبة 2.2% خلال الشهر نفسه، مسجلا أعلى مستوى له منذ مايو/أيار 2024.

ولا يرتبط هذا الصعود بعامل منفرد، بل يعكس تراكم المخاوف المتعلقة بالإنتاج والطلب وحركة التجارة العالمية، مع تركيز خاص على الصادرات التي تمر عبر منطقة البحر الأسود.

وفرة الإنتاج لا تعني سهولة وصول القمح

ورغم ارتفاع الأسعار، فإن المعطيات الحالية لا تشير بالضرورة إلى أزمة نقص عالمي شامل في القمح. إذ تتوقع وزارة الزراعة الأميركية إنتاجا كبيرا في كل من كندا وأستراليا، بينما يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعوض جزءا من التراجع المحتمل في الإمدادات القادمة من منطقة البحر الأسود.

لكن حساسية السوق تكمن في قدرة هذه الإمدادات على الوصول إلى المستوردين في الوقت المناسب وبكلفة مقبولة. فقد تكون كميات القمح متوفرة في سوق ما، إلا أن صعوبة النقل أو ارتفاع التأمين والشحن يمكن أن يحولا دون وصولها بسهولة إلى الدول المحتاجة.

الطقس يضغط على توقعات المحاصيل

أصبح الطقس أحد أهم العوامل التي تتابعها أسواق الحبوب، لأن تغير معدلات الأمطار أو ارتفاع درجات الحرارة خلال مراحل نمو القمح يمكن أن يؤدي إلى تعديل توقعات الإنتاج، وبالتالي تغيير قرارات الشراء والتخزين.

وفي أجزاء من أوروبا، ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والظروف الجافة في خفض تقديرات إنتاج القمح، وفقا لبيانات منظمة الأغذية والزراعة.

وفي الولايات المتحدة، تسبب الجفاف في ضغوط على المحصول والإمدادات المحلية، فيما تتوقع وزارة الزراعة الأميركية أن تنخفض صادرات القمح خلال موسم 2026-2027 إلى أدنى مستوى لها في 3 سنوات، رغم استمرار البلاد بين كبار مصدري القمح عالميا.

ولا تقتصر المخاطر على موسم زراعي واحد، إذ إن تكرار موجات الحر والجفاف في مناطق إنتاج متعددة خلال الفترة نفسها يمكن أن يحد من قدرة السوق على تعويض أي تراجع في محصول إحدى المناطق.

وكان صيف 2026 مؤشرا على شدة الظروف المناخية، بعدما سجل متوسط درجات الحرارة العالمية خلال الفترة من يونيو/حزيران إلى أغسطس/آب مستوى قياسيا، بالتساوي مع صيف 2024، وفقا لخدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ.

وسجل أغسطس/آب الماضي أعلى متوسط لدرجات الحرارة في تاريخ سجلات الشهر، عند 16.96 درجة مئوية عالميا، أي بزيادة قدرها 1.65 درجة مقارنة بمتوسط الفترة السابقة للثورة الصناعية.

كما شهدت أوروبا الغربية صيفها الأكثر حرارة في سجلات كوبرنيكوس، مع تسجيل مناطق واسعة درجات حرارة مرتفعة بصورة استثنائية.

البحر الأسود يرفع كلفة الوصول إلى الأسواق

إذا كان تغير المناخ يؤثر في حجم الإنتاج، فإن الحرب واضطرابات الملاحة تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدول على تصدير ما تنتجه.

وتحتل منطقة البحر الأسود موقعا محوريا في تجارة القمح العالمية، في ظل الوزن الكبير لكل من روسيا وأوكرانيا في سوق التصدير، ولذلك فإن أي اضطراب في حركة السفن أو الموانئ ينعكس سريعا على الأسعار والتكاليف.

وخلال سبتمبر/أيلول، عدلت اللجنة المشتركة لتأمين مخاطر الحرب في لندن نطاق المناطق البحرية المصنفة ضمن مناطق الخطر في البحر الأسود، في خطوة تعكس تنامي المخاطر التي تواجه حركة النقل البحري في المنطقة.

وتؤدي زيادة المخاطر إلى رفع تكلفة التأمين على السفن والشحنات، ما يضيف أعباء جديدة حتى عندما تكون كميات القمح متوفرة لدى المصدرين.

كما يمكن أن يؤدي تعطل الموانئ أو صعوبة استخدام طرق النقل المعتادة إلى إجبار التجار على اللجوء إلى موانئ أبعد أو مسارات بديلة أكثر تكلفة، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستورد.

روسيا وأوكرانيا تواجهان اضطرابا في الصادرات

ومع استمرار الضغوط على الملاحة في البحر الأسود، بدأت شركات روسية في تجهيز محطات كانت تستخدم لتصدير الأسمدة والفحم وسلع أخرى في موانئ تقع على بحر البلطيق والمناطق القطبية، بهدف استخدامها في شحن الحبوب، وفقا لما أوردته رويترز.

وتشير تقديرات شركة كبلر، التي نقلتها الوكالة، إلى احتمال تراجع صادرات القمح الروسية خلال سبتمبر/أيلول إلى نحو مليون طن، مقارنة بنحو 5 ملايين طن في الشهر نفسه من العام الماضي.

أما صادرات القمح الأوكرانية، فمن المتوقع أن تصل إلى قرابة مليون طن خلال الشهر ذاته، أي نحو نصف مستواها المسجل قبل عام. وتبقى هذه الأرقام تقديرات لحجم الشحنات وليست نتائج نهائية.

وتوضح التطورات أن سعر القمح في السوق العالمية لا يتحدد بتكلفة زراعته وإنتاجه فقط، بل يتأثر أيضا بسلسلة طويلة تبدأ من نقل الحبوب من المزارع إلى الموانئ، ثم تحميلها على السفن، وتأمينها خلال الرحلة، وصولا إلى بلد الاستيراد.

ومع ارتفاع المخاطر في أي مرحلة من هذه السلسلة، يمكن أن ترتفع تكلفة القمح حتى من دون حدوث نقص فعلي في الإنتاج العالمي، وهو ما يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي تطور جديد يتعلق بالطقس أو التجارة أو حركة الشحن.

زر الذهاب إلى الأعلى