فلسطين بعدسة جوس دراي.. ثلاثة عقود من الصور التي توثق الحياة والذاكرة والصمود

في معرض يحتضنه معهد العالم العربي في باريس، تستعيد المصورة والكاتبة الفرنسية جوس دراي أكثر من ثلاثة عقود من علاقتها بفلسطين، عبر مجموعة من الصور التي لا تركز على الحرب والصراع وحدهما، بل تفتح نافذة على تفاصيل الحياة اليومية التي حافظ الفلسطينيون من خلالها على ذاكرتهم وهويتهم.
ويستمر معرض “فلسطين بعدسة جوس دراي” حتى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني، ويضم أعمالا التقطتها المصورة منذ عام 1987، وصولا إلى مجموعة الصور التي أنجزتها في إطار مهمة كلفها بها معهد العالم العربي عام 2001.
وتتنقل الصور بين المدن والمخيمات والأسواق والشواطئ والحواجز والمظاهرات، وترسم مشهدا إنسانيا يمتد من غزة وجنين وجباليا إلى مخيم الشاطئ وقلنديا والدهيشة، وصولا إلى مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
فلسطين خارج صورة الحرب
لا تقدم أعمال جوس دراي الفلسطيني بوصفه مجرد ضحية للصراع، وإنما تمنحه مساحة واسعة للظهور كإنسان يعيش تفاصيل يومه ويعمل ويأكل ويحتفل ويتذكر ويحلم.
وتظهر في الصور مشاهد لطفل يكتشف البحر، وعائلات تجتمع حول الطعام، ونساء ورجال في البيوت والأسواق والمخيمات، إلى جانب صور لأشخاص يحملون تفاصيل هويتهم وذكرياتهم الشخصية.
وتتحول عناصر تبدو عادية، مثل الخبز والفلافل والبرتقال والبطيخ، إلى رموز بصرية تحمل دلالات مرتبطة بالمكان والذاكرة والهوية.
كما تلتقط عدسة دراي مشاهد من الحياة السياسية والاجتماعية، من بينها جداريات تحمل صور الشهداء ورسائل الوفاء، إلى جانب صور لشخصيات سياسية في لحظات بعيدة عن المشهد الرسمي، بما يعكس الجانب الإنساني من حياتهم.
رحلة بدأت عام 1987
بدأ ارتباط جوس دراي بالقضية الفلسطينية في سياق نشاطها الحقوقي والصحفي في فرنسا، قبل أن تقودها مهنتها إلى فلسطين عام 1987.
ومنذ ذلك الحين، واصلت توثيق حياة الفلسطينيين على مدى أكثر من ثلاثة عقود، متنقلة بين مراحل مختلفة من تاريخ الصراع، بما في ذلك الانتفاضتان، وحياة المخيمات، ومشاهد الدمار والعودة.
وترى المصورة أن فلسطين لم تكن بالنسبة إليها موضوعا فوتوغرافيا مؤقتا، بل مسارا إنسانيا طويلا سمح لها ببناء علاقات مع الأشخاص الذين صورتهم والاقتراب من حياتهم اليومية.
ويتزامن تنظيم المعرض مع احتفاء فرنسا بمرور 200 عام على ظهور التصوير الفوتوغرافي، ليطرح العمل سؤالا حول دور الصورة في حفظ الذاكرة وتوثيق المجتمعات، خصوصا عندما تصبح الوقائع نفسها عرضة للطمس أو الإنكار.
الصورة تبدأ بالثقة
تؤكد جوس دراي أن التصوير بالنسبة إليها لا يبدأ بالكاميرا، وإنما بالعلاقة التي تنشأ بينها وبين الأشخاص الذين تصورهم.
وتقول إن تبادل النظرات وبناء الثقة يشكلان أساس عملها، موضحة أن الأشخاص الذين تظهرهم صورها يمنحونها جزءا من حياتهم وقصصهم، وهي بدورها تنقل تلك التجربة إلى الجمهور عبر الصورة.
وتشير إلى أن الإقامة مع عائلة لفترة من الوقت، ومشاركتها الطعام والحياة اليومية، تجعل الصورة امتدادا لعلاقة إنسانية حقيقية وليست مجرد لحظة تلتقطها العدسة.
وتصف هذه العلاقة بأنها تجربة مشتركة، يصبح فيها المصور جزءا من المكان الذي يوثقه، بدلا من أن يظل مراقبا من الخارج.
الفلسطينيون يحملون فلسطين في حياتهم اليومية
ترى دراي أن ما تبحث عنه الكاميرا في المقام الأول هو الإنسان الفلسطيني باعتباره حاملا لهوية المكان وثقافته.
وبالنسبة إليها، فإن فلسطين لا تظهر فقط في المشاهد السياسية أو صور المواجهات، وإنما أيضا في طريقة الحياة والعادات والطعام والعلاقات الاجتماعية والتفاصيل التي تنتقل من جيل إلى آخر.
وتستحضر في هذا السياق صورا التقطتها لفلسطينيين وهم يتشاركون أكل البطيخ، مشيرة إلى أن هذه الفاكهة أصبحت لاحقا رمزا بصريا مرتبطا بفلسطين، رغم أنها كانت تصور هذا المشهد منذ سنوات طويلة باعتباره جزءا طبيعيا من الحياة اليومية.
وتقول إن تلك الصور التقطت في أماكن متعددة، من مخيمات اللاجئين في لبنان إلى المخيمات داخل فلسطين والقرى والقدس، في محاولة لتوثيق حضور الهوية الفلسطينية أينما وجد أصحابها.
ذاكرة مجتمع في تفاصيل صغيرة
تمنح تجربة جوس دراي للصورة وظيفة تتجاوز تسجيل الأحداث الكبرى، إذ تحول التفاصيل اليومية إلى وثائق بصرية تحفظ جوانب من حياة مجتمع كامل.
فالبيت والسوق والمخيم والبحر والطعام والوجوه ليست مجرد خلفيات أو عناصر ثانوية في صورها، وإنما مكونات أساسية في سردية فلسطينية تتشكل من الحياة اليومية بقدر ما تتشكل من الأحداث السياسية.
ومن خلال هذا المنظور، يقدم المعرض فلسطين كما عاشها الناس، لا كما تظهر فقط في نشرات الأخبار؛ فلسطين التي تستمر فيها الحياة رغم القيود والصراع، والتي يحافظ أهلها على ذاكرتهم وهويتهم عبر تفاصيل تبدو بسيطة لكنها تحمل معاني أعمق.
وتحول الصور، بهذا المعنى، لحظات عابرة إلى سجل بصري طويل يوثق الإنسان والمكان والذاكرة، ويمنح الجمهور فرصة لرؤية فلسطين من زاوية الحياة اليومية التي ظلت حاضرة إلى جانب كل ما حمله تاريخها الحديث من صراع وألم.







