لماذا يدافع المقهورون عن الأنظمة التي تستغلهم؟ من المصلحة المادية إلى الأيديولوجيا

كيف يختار الإنسان سلطة تسعى إلى قمعه؟ ولماذا يدافع عن أوضاع سياسية واجتماعية تهدر مصالحه، بل قد تهدد حياته ومستقبل أبنائه؟ وكيف يتحول شخص يعاني الفقر أو التهميش أو الاستغلال إلى مدافع متحمس عن النظام الذي يسهم في إنتاج معاناته؟
تطرح هذه الأسئلة تحديًا لمبدأ أساسي في الفكر العقلاني الحديث، يقوم على اعتبار الإنسان كائنًا يحسب مصالحه المادية ثم يختار ما يحققها. فإذا كان العامل يتضرر من انخفاض الأجور، فمن المفترض أن يدعم النقابات والسياسات التي تحمي حقوقه. وإذا كان المواطن يعاني القمع، فمن المتوقع أن يطالب بالحرية. وإذا كانت الطبقات الفقيرة تتحمل العبء الأكبر من السياسات الاقتصادية، فإن المنطق يقتضي أن تصوت ضد القوى التي تتبنى تلك السياسات.
غير أن التاريخ السياسي يكشف مفارقات هذا التصور أكثر مما يؤكده. فقد انحازت قطاعات واسعة من الجماهير، في محطات عديدة، إلى قوى سلطوية أو محافظة بشدة، حتى عندما تعارضت سياساتها بوضوح مع مصالح هذه الجماهير. ومن هنا أصبح سؤال «الخيار اللاعقلاني» أحد الأسئلة المحورية في الفكر السياسي النقدي الحديث، خصوصًا منذ صعود السياسة الجماهيرية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
أدى التصنيع إلى انتقال أعداد كبيرة من السكان إلى المدن، وأدخل العمال والطبقات الوسطى الجديدة إلى المجال السياسي. كما أسهم انتشار الصحافة والراديو والسينما، ثم التلفزيون، في تقويض الاحتكار المعرفي الذي تمتعت به النخب التقليدية. لكن دخول الجماهير إلى الحياة السياسية لم يؤد بالضرورة إلى انتصار قوى التحرر والمساواة، كما توقعت تيارات التنوير والاشتراكية، بل أتاح المجال أيضًا لصعود القومية المتطرفة والفاشية والشعبوية السلطوية.
وكشفت الموجة الثورية التي شهدتها ألمانيا بين عامي 1918 و1919 حدود الاعتقاد بأن تصاعد الاستغلال يدفع العمال تلقائيًا نحو الثورة. فقد انحازت قطاعات عمالية إلى السلطة القائمة، بينما التزم آخرون موقف المتفرج إزاء قمع الحركة الثورية ومقتل قائديها روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت.
ولم تحقق حركة مجالس المصانع في مدينة تورينو الإيطالية، خلال عامي 1919 و1920، نتائج أفضل؛ إذ بقيت معزولة نسبيًا عن المراكز الصناعية الأخرى، وانتهت في المدينة نفسها إلى تسويات محدودة.
بعد سنوات قليلة، تمكنت الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية من حشد قطاعات شعبية واسعة، كما أيدت جماهير النزعة العسكرية القومية التي اجتاحت اليابان منذ مطلع ثلاثينيات القرن العشرين. وحتى في الديمقراطيات الأنجلوساكسونية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة، ظهرت حركات فاشية جذبت آلاف الأنصار، من بينها اتحاد الفاشيين البريطانيين بقيادة أوزوالد موزلي.
لم تكن هذه الحركات مجرد مؤامرات دبرتها النخب أو أنظمة فُرضت على الجماهير بالقوة. فعلى الرغم من استفادتها من دعم كبار الصناعيين والمؤسسات العسكرية والدوائر المحافظة، امتلكت أيضًا قدرة فعلية على إثارة الحماسة الشعبية واستقطاب الأنصار.
ولم يقتصر هذا النمط على المجتمعات الأوروبية والأمريكية. ففي بلدان الجنوب العالمي، ظهر لاحقًا نموذج الانقلاب العسكري الشعبوي الذي يجمع بين القمع الشديد وخطاب يدعي تمثيل الأمة أو إنقاذ الشعب.
في تشيلي، على سبيل المثال، سبقت الانقلاب الذي قاده الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973 سلسلة من الأزمات والإضرابات، شاركت فيها نقابات عمالية وقطاعات من الطبقة الوسطى ضد حكومة تبنت سياسات اجتماعية تستهدف دعم هذه الفئات نفسها. وأسهمت الاضطرابات في تهيئة المناخ لاستيلاء الجيش على السلطة، وانتهى الانقلاب بمقتل الرئيس المنتخب سلفادور أليندي داخل القصر الرئاسي، في واقعة قيل إنه انتحر خلالها.
وتكررت لاحقًا أشكال مختلفة من هذا النموذج في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا. وهكذا تجاوز الجدل الأوروبي بشأن الفاشية والثورة حدوده الجغرافية ليطرح سؤالًا عالميًا: لماذا تتحول الجماعات المقهورة أحيانًا إلى قاعدة اجتماعية للسلطة التي تقهرها؟
من المصلحة إلى الأيديولوجيا
حاولت الماركسية تفسير الوعي السياسي انطلاقًا من البنية المادية للمجتمع. فقد رأى كارل ماركس وفريدريك إنجلز أن البشر، في أثناء إنتاجهم لمقومات حياتهم، يدخلون في علاقات اجتماعية واقتصادية محددة، وأن نمط الإنتاج السائد يترك أثرًا عميقًا في القانون والدين والأخلاق والفلسفة والفنون وغيرها من أشكال الوعي الاجتماعي، وهي الأشكال التي أطلقا عليها مفهوم «الأيديولوجيا».
ويمكن فهم العلاقة بين الأيديولوجيا والبنية التحتية، أي العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تصورين مختلفين.
ينظر التصور الأول إلى الأيديولوجيا باعتبارها أشكالًا زائفة من الوعي تنتجها الطبقة السائدة وتروجها لخدمة مصالحها، بما يؤدي إلى اختزال أشكال الوعي المختلفة في المصالح المادية. ووفقًا لهذا المنظور، فإن الفرد الذي يدافع عن النظام القائم يقع ضحية وعي زائف؛ فهو إما يجهل مصلحته الحقيقية، وإما يدرك الواقع من خلال تصورات شوهتها الدعاية.
وبناءً على ذلك، تصبح المهمة السياسية الأساسية كشف الحقيقة أمام الجماهير، انطلاقًا من افتراض أن العامل، عندما يدرك أنه مستغَل، والمواطن، عندما يعي أنه مقموع، والفقير، عندما يفهم أن فقره مرتبط ببنية اجتماعية واقتصادية، سيختارون التغيير.
أما التصور الثاني، فيتعامل مع الأيديولوجيا وعالم الأفكار باعتبارهما مجالًا من إبداع العقل البشري، يتأثر بالمصالح المادية من دون أن يكون انعكاسًا آليًا لها. فالقانون والدين والأخلاق ليست مجرد انعكاسات مباشرة للاقتصاد، بل إبداعات بشرية حقيقية تتشكل في سياق تفاعل الإنسان مع واقعه الاجتماعي.
ووفقًا لهذا التصور، لا تقتصر وظيفة الطبقة السائدة على إنتاج الأفكار وتحديد مضمونها بصورة مباشرة، بل تشمل أيضًا انتقاء أشكال الوعي الاجتماعي التي تتوافق مع مصالحها، وتعزيزها على حساب غيرها.







