ثقافة

معرض بيروت العربي الدولي للكتاب.. الثقافة في مواجهة الأزمات وصون الذاكرة

على وقع مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش «بيروت خيمتنا، بيروت نجمتنا»، تستقبل الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية الكتّاب والناشرين مجددا، في مشهد يحاول تجاوز آثار الأزمات المتلاحقة التي عاشتها المدينة والبلاد خلال السنوات الماضية.

وفي ظل الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة، تتجاوز الدورة السابعة والستون لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب، المستمرة حتى 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، حدود الأرقام والمبيعات، لتطرح أسئلة تتعلق بالبقاء وإعادة البناء وحماية الهوية والذاكرة، في وقت تتقلص فيه المساحات المشتركة للحوار بين اللبنانيين.

وافتُتح المعرض في التاسع من الشهر الجاري بمجمع «سي سايد آرينا»، بمشاركة رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، واستقطب 163 دار نشر، بينها 23 دارا عربية.

لكن أهمية هذه الدورة لا تقتصر على حجم المشاركة، إذ يضم برنامجها موضوعات لبنانية حساسة إلى جانب قضايا الأدب والفلسفة والتكنولوجيا، في محاولة لإبقاء الثقافة على صلة مباشرة بالتحولات التي يشهدها المجتمع خارج قاعات المعرض.

وحدة التنظيم وتحديات صناعة النشر

تحمل الدورة الحالية دلالة تنظيمية، إذ تأتي ثمرة تعاون بين النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، بعد سنوات من تعدد الجهات المنظمة والانقسامات التي انعكست على المشهد الثقافي.

وأسهم تعاون الطرفين في إعادة جمع المعرض تحت مظلة تنظيمية واحدة، في خطوة تعيد الاعتبار إلى أهمية التنسيق المهني بين الناشرين والكتّاب والقراء، وتوفير بيئة تتيح استمرار النشاط الثقافي.

غير أن توحيد التنظيم يمثل بداية الطريق، فيما يتمثل التحدي الأكبر في تحويل هذه الخطوة إلى تعاون مستدام، يتيح لدور النشر، ولا سيما الصغيرة منها، مواصلة العمل في سوق أضعفتها الأزمة المالية وارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع وتراجع القدرة الشرائية.

كما يطرح الحضور العربي سؤالا بشأن قدرة بيروت على الحفاظ على مكانتها بوصفها مركزا للنشر والحوار الثقافي، في ظل تنافس عواصم عربية عدة على استقطاب الفعاليات وصناعة الكتاب.

وتأسس المعرض عام 1956 في قاعة «وست هول» بالجامعة الأمريكية في بيروت، ليصبح على مدى عقود محطة بارزة تلتقي فيها حركة التأليف والنشر والقراءة. وتكتسب استعادة هذا الإرث معناها الحقيقي عندما ترتبط ببناء مستقبل مستدام للكتاب، بدلا من الاكتفاء بالاحتفاء بتاريخه.

برنامج يقرأ لبنان من الداخل

تحتل القضايا اللبنانية مساحة واسعة من برنامج المعرض، من خلال نقاشات تتناول النظام المصرفي، والإعلام البرلماني وحدود الممارسة الديمقراطية، وعقلنة النظام السياسي، إلى جانب مراجعات فكرية للاشتراكية وأزمة الرأسمالية.

وتلامس هذه الموضوعات جوانب متعددة من الأزمة اللبنانية، بدءا من تراجع ثقة المواطنين بالقطاع المالي، مرورا بأزمة المؤسسات وشرعيتها، وصولا إلى الحاجة لمراجعة الأفكار الاقتصادية والسياسية في ضوء الانهيار الذي شهدته البلاد.

وتزداد أهمية هذه النقاشات في ظل امتداد الأزمة إلى علاقة المواطنين بالمستقبل، وشعورهم بجدوى المشاركة العامة، وقدرة المجتمع على تصور نظام أكثر عدالة وفاعلية.

ومن هذا المنطلق، تبدو الندوات محاولة لإعادة فتح ملفات مؤجلة، وإن ظل تأثيرها مرتبطا بقدرتها على إنتاج نقاش جاد يتجاوز قاعات المعرض إلى المجال العام.

ويحضر التاريخ بدوره بوصفه وسيلة لفهم الحاضر، من خلال مناقشة كتاب خالد زيادة «عقد الستينيات الفريد»، واستعادة تاريخ رأس بيروت عبر التاريخ الشفوي، والاحتفاء بشخصيات فكرية وثقافية تركت بصمات في الحياة اللبنانية.

ويتيح لقاء «نحن في هذا معا: تاريخ شفوي لرأس بيروت» مقاربة المدينة من خلال تجارب سكانها وذاكرتهم اليومية، فيما تستعيد فعاليات أخرى تجربة دار الآداب وشخصيات أثرت في الصحافة والفكر والفن.

وتكتسب الذاكرة الشفوية أهمية خاصة في بلد تتداخل فيه الروايات المتنافسة عن الماضي مع الاعتبارات السياسية، بينما تظل شهادات الأفراد والأحياء والمجتمعات عرضة للضياع مع مرور الزمن.

وتطرح هذه الفعاليات سؤالا جوهريا حول كيفية حماية ذاكرة بيروت من التحول إلى حنين منفصل عن الحاضر، وإمكانية تحويلها إلى أداة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية.

الحرب بوصفها قضية ثقافية

تفرض الحرب نفسها على برنامج المعرض من زوايا متعددة، عبر نقاشات تتناول الكتابة عن الحرب وحماية الإرث الثقافي في مواجهة العدوان الإسرائيلي، إلى جانب أعمال أدبية وفكرية تبحث في الذاكرة والمعنى والهوية.

وتكشف هذه الموضوعات أن آثار الحروب لا تقتصر على الدمار المادي والخسائر البشرية، بل تمتد إلى علاقة الناس بأماكنهم، وما يتبقى من الشواهد التي تحمل تاريخ المجتمعات، واللغة التي يستخدمونها لرواية تجاربهم.

ويضع النقاش المتعلق بحماية التراث الثقافي مسؤولية صون الذاكرة في صلب الاهتمام العام، فالمباني التاريخية والقرى والأحياء والمواقع الأثرية ليست مجرد معالم معمارية، بل تمثل أوعية للحياة الاجتماعية والثقافية، وترتبط بوعي الجماعات وهويتها.

وقد يؤدي فقدان هذه المعالم إلى ضياع أجزاء من ذاكرة المكان والروابط التي تجمع سكانه، ما يجعل التوثيق والحماية والعمل المؤسسي عناصر أساسية في الحفاظ على التراث.

ومع ذلك، لا يمكن للنقاش الثقافي أن يحل محل إجراءات الحماية الفعلية، لكنه يساعد على تحديد ما ينبغي إنقاذه، وتوثيق الخسائر، وإبقاء المسؤولية حاضرة في الوعي العام.

أما الكتابة عن الحرب، فتفتح أسئلة تتعلق بقدرة الأدب على التعبير عن العنف والألم من دون تحويلهما إلى مادة استهلاكية، وكيفية التوفيق بين الذاكرة الشخصية والرواية الجماعية عندما يتجاوز الحدث قدرة اللغة على الإحاطة به.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في لبنان، حيث ما زالت آثار الحروب حاضرة في التجربة اليومية للمجتمع.

بيروت فضاء متعدد اللغات والثقافات

من أبرز ملامح الدورة الجمع بين الكتاب العربي والفرنكوفوني في مساحة ثقافية واحدة، إلى جانب برنامج موازٍ ينظمه المعهد الفرنسي بمشاركة كتّاب وفنانين من بلدان مختلفة، مع امتداد بعض الأنشطة إلى مدن لبنانية خارج العاصمة.

ويعيد هذا الحضور تسليط الضوء على إحدى الخصائص التاريخية لبيروت، المتمثلة في تفاعل اللغات والثقافات والتيارات الفكرية، وما يتيحه ذلك من فرص للترجمة والتبادل والتعارف.

ولا تقتصر قيمة هذا التنوع على عدد العناوين أو جنسيات المشاركين، بل تتجلى في طبيعة الحوار الذي يتيحه، إذ تسمح الترجمة بنقل الأدب بين تجارب مختلفة، وتمنح القراء فرصة النظر إلى قضاياهم من زوايا جديدة.

كما يضم البرنامج أعمالا تتناول غزة، من بينها كتاب لينا طبال «مئة سفينة حب لغزة»، الصادر عن دار زمكان، بما يربط الحضور الأدبي الدولي بالقضايا الإنسانية والسياسية في المنطقة.

غير أن استمرار هذه الحيوية يحتاج إلى ما يتجاوز أيام المعرض، من خلال دعم مؤسسات النشر، وتشجيع الترجمة، وتوسيع فرص الوصول إلى الكتب، حتى يصبح التعدد الثقافي جزءا من حياة مستدامة، لا حضورا موسميا ينتهي بانتهاء الفعاليات.

الذكاء الاصطناعي والتعليم في صلب النقاش

تحتل قضايا الذكاء الاصطناعي مساحة لافتة في البرنامج، من تأثير التكنولوجيا في المكتبات الأكاديمية وتحولها إلى مراكز معرفية، إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالدين، وصولا إلى النقاشات المتعلقة بمكانة الإنسان في مواجهة الآلة.

وتعكس هذه الموضوعات اتساع الأسئلة التي تواجه المؤسسات التعليمية والثقافية بشأن تغير طرق الوصول إلى المعرفة، ودور المكتبات في ظل تطور أدوات البحث الرقمي، ومسؤولية الإنسان في التحقق من المعلومات وتفسيرها وصناعة المعنى.

وتكتسب هذه النقاشات أهمية في لبنان، حيث تواجه المدارس والجامعات تحديات مالية وتربوية، فيما تزداد الحاجة إلى مواكبة التحولات التقنية من دون تعميق الفجوة بين الطلاب الذين يمتلكون إمكانات متقدمة للوصول إلى التكنولوجيا وغيرهم.

لذلك، لا ينفصل الحديث عن الذكاء الاصطناعي عن واقع التعليم، وقدرة المؤسسات على تحديث المناهج وتوفير التدريب وضمان فرص أكثر عدالة للاستفادة من الأدوات الرقمية.

ويخصص المعرض أيضا أنشطة للأطفال تشمل الحكايات والرسم وصناعة الدمى والمسرح والألعاب التربوية، في تأكيد أن العلاقة بالكتاب تبدأ في سن مبكرة، وأن بناء جيل جديد من القراء يحتاج إلى تجارب تجمع الخيال والمشاركة والاكتشاف.

ويبقى التحدي في تحويل هذه الأنشطة إلى مبادرات تصل إلى المدارس والأحياء، خصوصا الأطفال الذين أثقلت الأزمات أسرهم وقلصت فرصهم في الوصول إلى الثقافة.

استعادة الرموز الثقافية وتجديد الذاكرة

تستعيد الدورة أسماء وشخصيات من مجالات مختلفة، بينها المفكر صبحي الصالح، والصحفي غسان تويني، والفنان أحمد قعبور، وكمال جنبلاط، وشوشو، إلى جانب محطات تتصل بأدباء وكتّاب معاصرين.

ويجمع هذا الاختيار بين الفكر والصحافة والفن والأدب، في تذكير بأن الثقافة اللبنانية تشكلت عبر تفاعل هذه المجالات، لا من الأدب وحده.

لكن قيمة التكريم تتجاوز استعادة الأسماء، إذ تزداد أهميته عندما يفتح المجال لقراءة جديدة في أعمال المكرّمين، ومناقشة أفكارهم، وإتاحة الفرصة للأجيال الأصغر للتعرف إلى ما أنجزوه وتقييم ما لا يزال صالحا من تجاربهم.

فصون الذاكرة لا يقتصر على الاحتفاء بالماضي، بل يتطلب تجديده بالنقد والمقارنة وربطه بالتحولات الراهنة.

ويتضمن البرنامج كذلك نقاشات حول الجوائز الأدبية وكتابة الرواية والعلاقة بين الأدب والذاكرة والحرب، بما يتيح للكتّاب والقراء بحث شروط إنتاج الأدب وتلقيه في وقت تتغير فيه علاقة الجمهور بالكتاب تحت تأثير المنصات الرقمية وتسارع تداول المحتوى.

ما بعد المعرض.. تحديات تتجاوز الأيام العشرة

يمنح المعرض الناشرين والكتّاب والقراء فرصة الالتقاء في مكان واحد، ويتيح برنامجه الواسع عقد الندوات والتوقيعات والحوارات. لكن قيمة هذه الدورة لن تقاس بكثافة فعالياتها وحدها، بل بما يمكن أن تتركه من أثر بعد إغلاق أبوابها.

وتظل أسئلة استمرار الناشر اللبناني في سوق مضطربة، وقدرة القراء على شراء الكتب في ظل تراجع القدرة الشرائية، وإمكانية تحويل النقاشات إلى تعاون بين المؤسسات الثقافية والجامعات والمدارس، من أبرز التحديات المطروحة.

كما يبقى السؤال بشأن قدرة بيروت على تحويل تنوعها الثقافي إلى قوة إنتاجية مستمرة، بدلا من الاكتفاء بدور استضافة الفعاليات الموسمية.

ولا تستطيع الثقافة بمفردها معالجة أزمات الاقتصاد والسياسة والحرب، لكنها تتيح للمجتمع التفكير فيها، وحفظ شهاداته، واختبار أفكار جديدة، والإبقاء على الحوار مفتوحا عندما تضيق مساحاته.

ومن هنا، تتجاوز أهمية معرض بيروت العربي الدولي للكتاب كونه موعدا سنويا للنشر والقراءة، ليصبح مساحة لمحاولة فهم الحاضر وصون الذاكرة والتفكير في المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى