ثقافة

اكتشاف نظام مائي متكامل ومسجد مملوكي جديد بمحيط قلعة صلاح الدين في القاهرة

أعلنت بعثة أثرية مصرية فرنسية مشتركة عن اكتشاف نظام مائي متكامل وبقايا مسجد يعودان إلى العصر المملوكي في محيط قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، في كشف أثري يسلط الضوء على آليات إمداد القلعة بالمياه ويضيف تفاصيل جديدة إلى تاريخها العمراني.

ويضم النظام المكتشف بئرين كبيرتين لرفع المياه وتخزينها، ترتبطان بمنظومة سواقٍ متكاملة، إلى جانب مسارات مخصصة لحركة الدواب، وغرف لإيوائها، ومخازن للأعلاف، وأحواض كانت تستخدم لسقي الحيوانات التي تولت تشغيل السواقي.

حلقة مفقودة في منظومة نقل المياه

يمثل الاكتشاف إضافة مهمة لفهم المرحلة الأخيرة من منظومة نقل المياه إلى قلعة صلاح الدين، إذ يكشف لأول مرة عن الكيفية التي كانت تُرفع بها المياه القادمة عبر سور مجرى العيون إلى أعلى القلعة، وهي تفاصيل لم توثقها المصادر التاريخية بشكل واضح.

وكانت الحيوانات تدير السواقي لسحب المياه من الآبار العميقة ورفعها تدريجيا إلى الخزانات الموجودة داخل القلعة، لتوفير احتياجات الجنود والسكان والخيول، إضافة إلى ري المزروعات الموجودة داخل الحصن.

كيف كانت القلعة تحصل على المياه؟

أقيمت قلعة صلاح الدين فوق هضبة مرتفعة من جبل المقطم، وهو ما جعل توفير المياه أحد أكبر التحديات منذ بداية تشييدها عام 1176م.

وفي البداية، أمر بهاء الدين قراقوش بحفر بئر يوسف الشهيرة، المعروفة أيضا باسم “بئر الحلزون”، والتي يصل عمقها إلى نحو 90 مترا، وصُممت بطريقة تسمح للثيران بالنزول عبر ممر حلزوني لتشغيل السواقي ورفع المياه على مراحل.

إلا أن المياه المستخرجة من البئر اتسمت بملوحتها، مما دفع الحكام لاحقا إلى إنشاء مشروع سور مجرى العيون، الذي ينقل مياه النيل من منطقة فم الخليج عبر سلسلة من القناطر حتى تصل إلى محيط القلعة، حيث تتولى السواقي رفعها إلى داخلها.

وشهد المشروع توسعات مهمة خلال العصر المملوكي، خاصة في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، قبل أن يعززه السلطان قانصوه الغوري في سنوات لاحقة.

العثور على مسجد مملوكي ومقابر تاريخية

إلى جانب النظام المائي، كشفت أعمال التنقيب في منطقة الحطابة عن بقايا مسجد مملوكي، لا يزال يحتفظ بإيوان القبلة ومحرابه، إضافة إلى جزء من الرواق الجنوبي الغربي والأرضيات الحجرية.

كما عثر الباحثون على غرفة دفن وعدد من المقابر التي تعود إلى فترات إسلامية مختلفة، تضم بقايا هياكل عظمية، فضلا عن مقبرة يرجح أنها تعود إلى بدايات العصر الإسلامي.

الحطابة… حي ارتبط بالماء عبر التاريخ

ارتبطت منطقة الحطابة تاريخيا بخدمة قلعة صلاح الدين، إذ لعبت دورا رئيسيا في تخزين المياه وتوزيعها، سواء لتلبية احتياجات القلعة أو لخدمة قوافل الحجاج خلال العصر المملوكي.

ويمنح الاكتشاف الجديد بعدا إضافيا لفهم طبيعة هذا الحي ودوره الحيوي في منظومة الإمداد المائي للعاصمة التاريخية.

أهمية الكشف الأثري

أكد القائمون على البعثة أن هذا الاكتشاف يسد فجوة تاريخية تتعلق بآلية تشغيل منظومة المياه في القلعة، كما يقدم رؤية أوضح للبنية الهندسية التي اعتمد عليها المماليك في إدارة الموارد المائية داخل أحد أهم الحصون الإسلامية.

ويرى المختصون أن النتائج الجديدة ستسهم في إعادة قراءة تاريخ القاهرة الإسلامية، وإبراز المستوى المتقدم الذي بلغته الهندسة المائية خلال العصور الوسطى، خاصة في المنشآت العسكرية والإدارية الكبرى مثل قلعة صلاح الدين الأيوبي.

زر الذهاب إلى الأعلى