قرار إخلاء “البيت العربي” في مدريد يثير مخاوف على مستقبل الجسر الثقافي بين العرب وإسبانيا

قبل أيام قليلة من احتفاله بالذكرى العشرين لتأسيسه، تلقّى “البيت العربي” (Casa Árabe) في العاصمة الإسبانية مدريد قرارًا مفاجئًا بإخلاء مقره التاريخي، في خطوة أثارت موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية، وسط مخاوف من تأثيرها على واحدة من أبرز المؤسسات المعنية بتعزيز الحوار بين العالم العربي وإسبانيا.
ورغم أن القرار لم يكن مفاجئًا لبعض المتابعين للمشهد السياسي في مدريد، فإنه شكّل صدمة للعاملين في المؤسسة والمقربين منها، بالنظر إلى الدور الذي أداه “البيت العربي” على مدار نحو عقدين في تقديم صورة أكثر عمقًا وواقعية عن الثقافة العربية للمجتمع الإسباني.
مؤسسة ثقافية تتجاوز حدود الفعاليات
وفي حديثها، تؤكد الكاتبة والأكاديمية العراقية المقيمة في إسبانيا باهرة عبد اللطيف أن المؤسسة لم تكن مجرد مركز لتنظيم الندوات والمعارض، بل مشروعًا ثقافيًا ساهم في بناء جسور التواصل بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، معتبرة أنه لا توجد مبررات حقيقية لإنهاء مشروع أثبت أهميته خلال السنوات الماضية.
وأوضحت أن القيمة الحقيقية للبيت العربي لا تُقاس بعدد الأنشطة التي نظمها، وإنما بالأثر الذي تركه في الوعي الإسباني، بعدما ساهم في نقل صورة العرب من إطار الأخبار السياسية والصراعات إلى فضاء الأدب والفن والفكر والحضارة.
دور إستراتيجي منذ عام 2006
وتأسس “البيت العربي” عام 2006 كمؤسسة عمومية تعمل تحت إشراف وزارة الخارجية الإسبانية، ويضم مقرين في مدريد وقرطبة، ضمن شبكة مؤسسات ثقافية تشمل أيضًا “البيت الأمريكي” و”البيت الآسيوي” و”البيت الأفريقي”، بهدف تعزيز العلاقات الثقافية والحوار مع مختلف مناطق العالم.
وشاركت باهرة عبد اللطيف في مسيرة المؤسسة منذ بداياتها، من خلال أعمال الترجمة والمحاضرات والإصدارات الثقافية، وهو ما منحها رؤية مباشرة لتطور المشروع وما حققه من حضور داخل المجتمع الإسباني.
إرث الأندلس في قلب الرسالة
وترى عبد اللطيف أن اختيار مدريد مقراً للمؤسسة يحمل دلالة تاريخية، باعتبار أن المدينة تعود جذورها إلى الحقبة الإسلامية، حيث أسسها العرب في القرن التاسع الميلادي، وما تزال معالمها العمرانية تحتفظ بملامح من ذلك الإرث الحضاري.
وتشير إلى أن العلاقة بين العرب وإسبانيا تمتد لأكثر من ثمانية قرون من التفاعل الثقافي والعلمي خلال فترة الأندلس، وهي مرحلة تركت آثارًا واضحة في اللغة والعمارة والعلوم والآداب، معتبرة أن “البيت العربي” جاء ليحافظ على هذا الإرث ويمنحه امتدادًا معاصرًا.
أكثر من مبنى ثقافي
وتؤكد الكاتبة أن المؤسسة لم تعتمد على استحضار الماضي فقط، بل عملت باستمرار على ربط التاريخ بالحاضر من خلال استضافة مفكرين وأدباء وفنانين عرب وإسبان، وتنظيم مؤتمرات ومعارض وأمسيات ثقافية وبرامج لتعليم اللغة العربية، بما يعزز الحوار الحضاري والتفاهم المتبادل.
وترى أن نقل المؤسسة أو إخلاء مقرها لا يتعلق بمسألة عقارية فحسب، بل يمس فكرة الحوار الثقافي نفسها، معتبرة أن المؤسسات التي تبني جسور المعرفة لا يمكن اختزالها في المباني، لكنها تحتاج إلى بيئة مستقرة تضمن استمرار رسالتها.
مواجهة الصور النمطية
وتلفت عبد اللطيف إلى أن الدور الذي اضطلع به “البيت العربي” اكتسب أهمية مضاعفة في ظل تصاعد خطابات الكراهية داخل أوروبا، مشيرة إلى أن أفضل وسيلة لمواجهة الصور النمطية عن العرب والمسلمين تتمثل في نشر المعرفة وتعزيز التواصل الثقافي، وليس الاكتفاء بالردود السياسية أو الإعلامية.
وتستشهد بارتفاع معدلات جرائم الكراهية في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، معتبرة أن المؤسسات الثقافية قادرة على الإسهام في بناء فهم أعمق للثقافات المختلفة، بما يحد من انتشار الأحكام المسبقة ويعزز قيم التعايش.
فلسطين ضمن الحضور الثقافي
كما تشير باهرة عبد اللطيف إلى أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة باستمرار في برامج “البيت العربي”، من خلال الفعاليات الأدبية والفنية والثقافية التي سلطت الضوء على الهوية الفلسطينية والإنتاج الإبداعي الفلسطيني، بعيدًا عن المقاربات السياسية المباشرة.
وترى أن هذا الحضور الثقافي لفلسطين، إلى جانب الدور الذي لعبته المؤسسة في تقديم صورة متوازنة عن العالم العربي، يجعل قرار إخلاء مقرها محل تساؤلات واسعة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى مؤسسات تعزز الحوار والتفاهم بين الشعوب.
ويواصل قرار إخلاء “البيت العربي” إثارة النقاش داخل الأوساط الثقافية الإسبانية والعربية، وسط دعوات للحفاظ على المؤسسة ودورها، باعتبارها أحد أبرز الجسور التي ساهمت طوال عقدين في ترسيخ الحوار الثقافي وتعزيز المعرفة المتبادلة بين إسبانيا والعالم العربي.







