ثقافة

بيتر ناداس.. روائي جعل من الذاكرة مرآة للتاريخ والجسد مساحة للمقاومة

هناك كتّاب يكتبون سيرهم الذاتية، وآخرون يجعلون من أعمالهم سجلاً لعصرهم، لكن بيتر ناداس ينتمي إلى فئة نادرة استطاعت الجمع بين الأمرين، قبل أن تتجاوزهما إلى مشروع أدبي واسع جعل من الذاكرة أداة لفهم الإنسان، ومن الجسد شاهداً على تحولات التاريخ.

الروائي المجري الذي رحل عن عمر ناهز 83 عاماً، ترك وراءه تجربة أدبية شديدة الخصوصية، امتزج فيها السرد بالتأمل، والصورة بالكلمة، والتجربة الفردية بالتحولات السياسية الكبرى التي عرفتها أوروبا خلال القرن العشرين.

ولم يكن ناداس روائياً بالمعنى التقليدي، فقد حمل معه خبرة المصور الصحفي، وحساسية من يراقب التفاصيل الصغيرة، وقدرة الكاتب على التوغل في المناطق المعقدة من النفس البشرية. لذلك بدت أعماله وكأنها محاولات طويلة لفهم العلاقة بين ما عاشه الإنسان فعلاً وما تحتفظ به ذاكرته من صور وانطباعات وأحاسيس.

كان يعود إلى الماضي كما يعود المصور إلى صورة قديمة؛ يتأمل تفاصيلها طويلاً، ثم يبحث عما تخفيه وراء ملامحها الصامتة. ومن هذه الطريقة تشكل عالمه الأدبي الذي تداخلت فيه موضوعات الحب والرغبة والموت والمرض والديكتاتورية والحرب والهزيمة والذاكرة.

طفولة تشكلت وسط الحرب والاضطهاد

ولد بيتر ناداس في العاصمة المجرية بودابست عام 1942، داخل عائلة يهودية ارتبطت بالحركة الشيوعية، في فترة كانت أوروبا تعيش واحدة من أكثر مراحلها دموية واضطراباً.

عاش والداه في الخفاء خلال سنوات المحرقة، فيما تعرضت الأسرة لآثار مباشرة للاضطهاد والحرب. ولم تلبث طفولته أن تحولت إلى تجربة مثقلة بالفقد؛ إذ توفيت والدته بسبب السرطان عام 1953، ثم انتحر والده عام 1958، ليجد ناداس نفسه في السادسة عشرة أمام تجربة مبكرة مع الموت ستترك آثاراً عميقة في شخصيته وكتاباته اللاحقة.

لاحقاً، عاد الكاتب إلى تلك السنوات في أعماله التي تناولت الطفولة والأسرة والمجتمع المجري، محاولاً تفكيك الطريقة التي تتسلل بها الأحداث التاريخية الكبرى إلى حياة الأفراد، حتى عندما لا يكون هؤلاء الأفراد طرفاً مباشراً فيها.

ومن أبرز الأعمال التي حملت هذا البعد كتابه “ما يضيء في الظلام: ذكريات راوٍ”، الذي استعاد فيه أجزاء واسعة من طفولته وتاريخ أسرته والمجتمع الذي نشأ داخله، متوقفاً عند آثار الحرب والفاشية والشيوعية وما تركته تلك المراحل من ندوب في الوعي الفردي والجماعي.

من الكاميرا إلى الرواية

في التاسعة عشرة من عمره، بدأ ناداس دراسة الصحافة والتصوير، ثم عمل صحفياً ومحرراً ومصوراً، وهي تجارب تركت أثراً واضحاً على أسلوبه الأدبي.

فالمصور الذي اعتاد مراقبة الأشياء من خلال عدسة الكاميرا أصبح روائياً شديد الانتباه إلى التفاصيل. حركة بسيطة، نظرة عابرة أو إحساس صغير يمكن أن يتحول في كتاباته إلى مدخل نحو ذكرى بعيدة أو حدث تاريخي واسع.

وبعد الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 وقمع الإصلاحات المرتبطة بما عرف بـ”ربيع براغ”، ابتعد ناداس تدريجياً عن العمل الصحفي، واتجه بصورة أكبر إلى الأدب.

ومنذ ذلك الوقت بدأ مشروعاً إبداعياً امتد لعقود، شمل الرواية والقصة القصيرة والمسرح والمقالات والتصوير الفوتوغرافي، ليصبح واحداً من أبرز الأصوات الأدبية المجرية والأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين.

وكان ناداس ينظر إلى الواقع نفسه بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل عبر الأدب. وفي حوار نشرته مجلة “أتلانتيد” الفرنسية عام 2024، اختصر جانباً من فلسفته بالقول إن “الحياة الإنسانية ضرب من التخييل”.

وتكشف هذه العبارة جانباً أساسياً من مشروعه، إذ لم يكن يرى الواقع شيئاً ثابتاً يمكن استعادته ببساطة، بل تجربة تتغير كلما مرت عبر الذاكرة والوعي والجسد واللغة.

“كتاب الذكريات”.. الذاكرة في مواجهة الزمن

بدأ ناداس نشر قصصه خلال ستينيات القرن الماضي، قبل أن يصدر عام 1977 روايته “نهاية رواية عائلية”، ثم جاء العمل الذي رسخ مكانته في الأدب الأوروبي، وهو “كتاب الذكريات” الذي صدر عام 1986.

استغرق إعداد الرواية أكثر من عشر سنوات، وبنى فيها الكاتب عالماً سردياً كثيفاً يتنقل بين بودابست في ستينيات القرن الماضي وبرلين الشرقية وأزمنة أخرى تمتد إلى القرن التاسع عشر.

ولم تكن الذاكرة في الرواية مجرد وسيلة لاستعادة الماضي، بل أصبحت جزءاً من بنية العمل نفسها. فالأحداث لا تسير دائماً وفق خط زمني واضح، وإنما تتداخل وتتقاطع، كما تفعل الذكريات داخل العقل البشري.

وحصلت الترجمة الفرنسية للعمل على جائزة أفضل كتاب أجنبي في فرنسا عام 1999، فيما أخذ النقاد ينظرون إلى ناداس بوصفه واحداً من كبار الروائيين الأوروبيين، مع مقارنات بأسماء مثل توماس مان ومارسيل بروست وروبرت موزيل، خصوصاً بسبب اهتمامه بالزمن والوعي والذاكرة والتحليل النفسي.

ومع ذلك، حافظ ناداس على أسلوبه الخاص، ولم يتحول إلى مجرد امتداد لتقاليد الرواية الأوروبية السابقة.

“قصص متوازية”.. ملحمة روائية استغرقت 18 عاماً

بلغ مشروع ناداس الروائي ذروة أخرى مع “قصص متوازية” التي صدرت عام 2005، بعد نحو 18 عاماً من العمل عليها.

جاءت الرواية في ثلاثة مجلدات، واحتوت على عدد كبير من الشخصيات والأزمنة والأماكن، لتتحول إلى بناء أدبي واسع يمتد من برلين إلى المجر، ومن التجربة الفردية إلى التاريخ الأوروبي في القرن العشرين.

تبدأ الأحداث في برلين بعد سقوط جدار برلين، لكنها لا تبقى محصورة في تلك اللحظة التاريخية، إذ يفتح ناداس من خلالها أبواباً على عقود كاملة من التاريخ، متنقلاً بين الماضي والحاضر، وبين الحياة الخاصة والتحولات السياسية.

ومن السمات اللافتة في الرواية أن بعض الخيوط السردية تنقطع فجأة، قبل أن تعود بعد عشرات أو مئات الصفحات، لتلتقي تدريجياً مع خيوط أخرى.

وبهذه الطريقة، لا يمنح ناداس القارئ خريطة سهلة للأحداث، بل يدفعه إلى إعادة تركيب الصورة بنفسه، حتى تتجمع القصص المتفرقة في لوحة واحدة واسعة.

ووصف مهرجان الأدب العالمي في برلين هذا البناء بأنه يجعل الفوضى نفسها مبدأ للتكوين، بينما أشار ناداس في مناسبات مختلفة إلى التأثير الكبير الذي تركته الرواية الروسية في طريقته في الكتابة، ولا سيما الأعمال التي تجمع بين السرد والتأمل الفلسفي.

الجسد.. الوجه الآخر للتاريخ

لا تحتل الذاكرة وحدها مركزاً في أدب ناداس، فالجسد حاضر بقوة في أعماله، بما يحمله من رغبات ومخاوف وآلام وأمراض وتجارب حسية.

الجنس والرغبة والمرض والموت ليست موضوعات جانبية في عالمه الروائي، وإنما تدخل في صميم رؤيته للإنسان. فقد كان يرى الجسد مساحة تتقاطع فيها الحياة الخاصة مع السلطة والمجتمع والتاريخ.

ولهذا اعتبر بعض النقاد أن الجسد في أعماله يمكن أن يتحول إلى نوع من “متراس للمقاومة”، خصوصاً في مواجهة الأنظمة السياسية التي حاولت إخضاع الأفراد والسيطرة على حياتهم الخاصة.

ومن هنا، لم يكن اهتمامه بالجسد منفصلاً عن اهتمامه بالسياسة، بل كان يرى أن السلطة لا تعمل فقط من خلال المؤسسات والقوانين، وإنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى العلاقات والرغبات وحتى الطريقة التي يعيش بها الإنسان داخل جسده.

حين اقترب الموت.. كتب ناداس عن موته

في عام 1993، كان ناداس يجلس في أحد مطاعم بودابست ويصحح صفحات أحد أعماله عندما تعرض لجلطة قلبية جعلته يقترب بصورة مباشرة من الموت.

تحولت هذه التجربة لاحقاً إلى كتاب “موتي الخاص”، الذي جمع فيه بين الكتابة والصورة، وحاول من خلاله تقديم وصف شديد الدقة لما حدث لجسده ووعيه خلال تلك اللحظات.

لم يتعامل ناداس مع التجربة باعتبارها حادثة شخصية فحسب، وإنما حولها إلى سؤال أدبي وفلسفي عن الحدود الفاصلة بين الحياة والموت، وبين الوعي والجسد.

وفي هذا العمل تظهر بوضوح إحدى أبرز سماته الإبداعية: القدرة على النظر إلى التجربة من الداخل والخارج في الوقت نفسه.

فالكاتب يعيش الحدث، والمصور يراقبه، والروائي يعيد بناءه، لتتحول الواقعة الجسدية إلى نص مفتوح على أسئلة أوسع من التجربة الشخصية.

التصوير.. عين أخرى للكاتب

لم يتوقف اهتمام ناداس بالصورة عند بداياته المهنية، بل ظل التصوير الفوتوغرافي جزءاً مهماً من تجربته الإبداعية.

وقد نشر أعمالاً تجمع بين الصورة والنص، من بينها “قصة جميلة عن التصوير”، مؤكداً بذلك أن الصورة بالنسبة إليه لم تكن مجرد نشاط مواز للأدب، بل وسيلة أخرى لفهم العالم.

فالعدسة تمنحه القدرة على التقاط التفاصيل التي قد تمر دون انتباه، بينما تسمح له الكتابة بإعادة تفسير تلك التفاصيل ووضعها داخل سياق نفسي وتاريخي.

وهكذا أصبح التصوير والرواية عنده طريقتين متكاملتين للنظر إلى الواقع، لا مجالين منفصلين.

الذاكرة كخريطة مفتوحة

في مذكراته “ما يضيء في الظلام: ذكريات راوٍ”، يعود ناداس إلى طفولته والأسرة والمجتمع المجري، لكنه لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية تسير من الولادة إلى الحاضر.

بدلاً من ذلك، تتحرك الذاكرة بطريقة غير منتظمة، فتقود كلمة أو صورة أو إحساس بسيط إلى حدث قديم، ثم تفتح تلك الذكرى بدورها على سياق تاريخي أو عائلي أوسع.

وكان ناداس يرى أن الأدب السردي يكشف لنا صورة مختلفة عن الطريقة التي تعمل بها الذاكرة وعن تضاريسها الداخلية.

وتلك الفكرة تفسر الكثير من خصائص أعماله؛ فالذاكرة عنده ليست مستودعاً محايداً للماضي، وإنما فضاء تتداخل فيه الصدمات والمشاعر والروابط غير المتوقعة، ويتداخل فيه ما حدث فعلاً مع الطريقة التي يتذكر بها الإنسان ما حدث.

التاريخ المجري داخل الحياة اليومية

ظل التاريخ المجري حاضراً بقوة في مشروع ناداس، من الحرب العالمية الثانية إلى الحكم الشيوعي وثورة 1956 ثم انهيار النظام.

لكن الكاتب لم يتعامل مع هذه الأحداث باعتبارها فصولاً منفصلة في كتاب تاريخ، بل بحث عن حضورها داخل التفاصيل اليومية.

فالخوف السياسي يمكن أن يظهر في علاقة عائلية، والاضطهاد قد يترك أثراً في اللغة، والنظام السياسي يمكن أن يمتد إلى الحياة الخاصة، بينما تظل آثار الحرب حاضرة في ذاكرة الأجيال التالية.

وفي حديثه عن ثورة 1956، ظهر موقفه الرافض للاستبداد بوضوح، لكنه لم يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها نظاماً مثالياً مكتفياً بذاته، بل كان شديد الحساسية تجاه نقاط ضعفها ومخاطر تحولها إلى نظام عاجز عن حماية قيمه.

وتكشف هذه النظرة عن موقف فكري مركب؛ رفض واضح للاستبداد، يقابله وعي نقدي بمواطن الخلل داخل الأنظمة الديمقراطية نفسها.

كاتب حصد الجوائز دون أن يصبح أسير الشهرة

رغم ابتعاده النسبي عن صخب الشهرة، حصل ناداس على عدد كبير من الجوائز الأدبية المهمة.

ومن أبرزها جائزة أتيلا يوجيف، وجائزة تيبور ديري، وجائزة الدولة النمساوية للأدب الأوروبي عام 1991، وجائزة كوشوت المجرية عام 1992، وجائزة لايبزيغ للتفاهم الأوروبي عام 1995، وجائزة فيلينيكا عام 1998، وجائزة أفضل كتاب أجنبي في فرنسا عام 1999، وجائزة فرانز كافكا عام 2003، وجائزة شاندور ماراي عام 2006.

وفي عام 2025 حصل على جائزة ميديسيس الخاصة للرواية الأجنبية، كما أصبح عضواً في أكاديمية الفنون في برلين منذ عام 2006.

ولم تكن هذه الجوائز مجرد اعتراف بمكانته داخل الأدب المجري، بل عكست أيضاً حضوره المتزايد في المشهد الأدبي الأوروبي والعالمي.

رحيل الجسد وبقاء الأسئلة

في سنواته الأخيرة، أصبح ناداس أكثر ميلاً إلى التأمل في معنى الكتابة والذاكرة والحياة، وكأن مسيرته الطويلة كانت تعود في نهايتها إلى الأسئلة التي رافقته منذ طفولته.

كان طفلاً حمل في ذاكرته آثار حرب لم يخترها، ثم شاباً تعلم النظر إلى العالم من خلال الكاميرا، وصحفياً اكتشف حدود المهنة، ثم كاتباً أمضى سنوات طويلة في تفكيك الذاكرة وملاحقة آثار التاريخ داخل الإنسان.

وحين اقترب بنفسه من الموت، لم يكتفِ بتجربة الخوف، بل حوّلها إلى كتاب، كما فعل طوال حياته مع كل تجربة كبرى عاشها.

رحل بيتر ناداس، لكن مشروعه الأدبي لا ينتهي برحيله، لأن كتبه لم تقدم إجابات جاهزة بقدر ما طرحت أسئلة صعبة حول الإنسان والزمن والذاكرة والسلطة والجسد.

ترك وراءه أدباً ينظر إلى الماضي دون حنين ساذج، ويعامل الذاكرة باعتبارها مجالاً للمساءلة لا مجرد خزينة للذكريات، ويرى في التفاصيل الصغيرة مداخل إلى التاريخ الكبير.

وربما تكمن أهميته في قدرته على جعل القارئ يعيش داخل المنطقة الرمادية بين ما حدث وما نتذكر أنه حدث، وبين الجسد الذي يحمل التجربة والعقل الذي يحاول تفسيرها، وبين الإنسان الذي يعيش التاريخ والتاريخ الذي يعيد تشكيل الإنسان.

وبذلك يصبح رحيل ناداس نهاية حياة كاتب، لكنه ليس نهاية عالمه الأدبي؛ فالعوالم التي بناها ستظل مفتوحة على القراء، وعلى الأسئلة التي طالما طاردها: كيف يمكن للإنسان أن يعيش داخل التاريخ دون أن يفقد ذاته؟ وكيف يمكن للذاكرة أن تحفظ الماضي من دون أن تعيد اختراعه؟ وأين تنتهي حدود الجسد وتبدأ حدود الوعي؟

تلك الأسئلة هي الإرث الأعمق الذي تركه الكاتب المجري، وهي أيضاً ما يجعل أعماله قابلة للقراءة من جديد، كلما احتاج الإنسان إلى فهم نفسه وماضيه والعالم الذي ترك آثاره على جسده وذاكرته.

زر الذهاب إلى الأعلى