ثقافة

عبدول السيد.. من طبيب في ديترويت إلى خطوة من دخول تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي

في مارس/آذار 2017، ظهر طبيب شاب من أصول مصرية في حوار مع صحفي الجزيرة ريان رفاعي، متحدثا عن طموحه السياسي ورؤيته لإمكانية انتخاب أول حاكم مسلم في تاريخ الولايات المتحدة من ولاية ميشيغان.

كان عبدول السيد ينظر إلى السياسة آنذاك بعين الطبيب الذي يفحص مريضا ويحاول تحديد موطن الخلل قبل وصف العلاج. وعندما تحدث عن تجربته في إدارة الصحة بمدينة ديترويت، وصف مهمته بأنها إعادة بناء دائرة صحية عمرها 185 عاما بعد أن تعرضت للخصخصة في أعقاب إفلاس المدينة.

أما عن هويته العربية والمسلمة، فكان يرى أن جوهر الدين لا يكمن فقط في طريقة أداء الشعائر، بل في القيم التي يدعو الإنسان من أجل تحقيقها، وفي مقدمتها الأسرة والمجتمع والوطن.

وبعد سنوات من ذلك الحوار، تحول هذا المنظور إلى مشروع فكري وسياسي متكامل، قبل أن يقترب السيد من تحقيق إنجاز تاريخي جديد.

ففي 5 أغسطس/آب 2026، فاز عبدول السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، وهي الولاية نفسها التي خسر فيها قبل سنوات سباق الترشح لمنصب الحاكم أمام غريتشن ويتمر.

وبذلك أصبح على بعد خطوة انتخابية واحدة من أن يصبح أول عضو مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي.

من الصحة العامة إلى السياسة

كان انتقال السيد إلى السياسة مرتبطا بصورة مباشرة بتجربته في مجال الصحة العامة.

ففي عام 2015، عُيّن مديرا لدائرة الصحة في مدينة ديترويت وهو في الثلاثين من عمره، ليصبح واحدا من أصغر المسؤولين الذين تولوا منصبا صحيا رفيعا في مدينة أمريكية كبرى.

وصل إلى دائرة كانت تعاني من آثار إفلاس المدينة ومرحلة الخصخصة، وكان المطلوب منه إعادة بناء مؤسسة صحية عمرها أكثر من قرن ونصف.

وخلال فترة عمله، ارتبط اسمه بعدد من المبادرات، من بينها توفير نظارات مجانية للأطفال في المدارس، والعمل على مواجهة انبعاثات مصفاة نفط في جنوب غرب ديترويت، إضافة إلى إطلاق برنامج لفحص مياه المدارس بحثا عن الرصاص بعد أزمة المياه الشهيرة في مدينة فلينت المجاورة.

كانت أزمة فلينت قد كشفت حجم المخاطر التي يمكن أن تنشأ عندما تتخذ السلطات قرارات تتعلق بالبنية التحتية من دون توفير الحماية الصحية الكافية للسكان، خصوصا الأطفال.

هذه التجارب لم تكن بالنسبة للسيد مجرد ملفات إدارية، بل تحولت إلى أساس لرؤيته السياسية التي طورها لاحقا في كتابه «سياسة التعافي: رحلة طبيب في قلب وبائنا السياسي»، الصادر عن دار أبرامز برس في نيويورك عام 2020.

أمريكا المريضة في نظر الطبيب

ينطلق السيد في كتابه من فكرة أساسية مفادها أن المشكلات التي تواجه الأمريكيين لا يمكن اختزالها في الأمراض الطبية التقليدية.

فمن خلال عمله في أحياء ديترويت الفقيرة، رأى أن انعدام الأمان الوظيفي والصحي والسكني يمكن أن يتحول إلى مرض اجتماعي تتوارث آثاره الأجيال.

وبهذا المعنى، يستخدم السيد أدوات الطبيب في قراءة السياسة. فكما يبحث الطبيب عن أسباب المرض بدلا من الاكتفاء بعلاج أعراضه، يحاول السياسي، في رؤيته، أن يبحث عن الأسباب العميقة للأزمات الاجتماعية والاقتصادية بدلا من التعامل مع نتائجها فقط.

وكانت تجربته في ديترويت هي المختبر الذي تشكلت داخله هذه الرؤية.

فالفقر، وتدهور الخدمات، والتلوث، وعدم المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية، لم تكن بالنسبة إليه قضايا منفصلة، وإنما أعراضا لمشكلة أوسع تتعلق بالأمان والعدالة الاجتماعية.

طفولة بين هويتين

ولد عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبدول، في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1984 في إحدى ضواحي مدينة ديترويت، لوالد مصري هاجر من الإسكندرية إلى الولايات المتحدة سعيا للحصول على درجة الدكتوراه.

واختصر اسمه في طفولته إلى «عبدول» بعدما واجه زملاؤه صعوبة في نطق اسمه الكامل، وهي واقعة صغيرة أصبحت لاحقا جزءا من حكايته الشخصية حول نشأته بين هويتين وثقافتين.

وعندما كان طالبا في المدرسة الثانوية وقعت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لتتغير معها تجربته الشخصية بوصفه شابا عربيا مسلما في الولايات المتحدة.

يروي السيد أن تلك المرحلة شهدت تعرضه لنظرات الشك والريبة، إلى جانب مظاهر من العنصرية التي طالت العرب والمسلمين في المجتمع الأمريكي عقب الهجمات.

ولهذا لم تكن مسألة الهوية بالنسبة إليه قضية نظرية أو موضوعا أكاديميا، بل تجربة شخصية أثرت في الطريقة التي نظر بها لاحقا إلى السياسة والمجتمع والصحة العامة.

مسار أكاديمي قاده إلى السياسة

حقق السيد مسارا أكاديميا لافتا بدأ من جامعة ميشيغان، حيث تخرج بمرتبة الشرف العليا، كما لعب ضمن فريق الجامعة للاكروس.

ومن بين المحطات اللافتة في تلك المرحلة حصوله على فرصة لإلقاء كلمة الخريجين إلى جانب الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون، الذي شجعه لاحقا على خوض المجال السياسي.

بعد ذلك واصل مساره الأكاديمي عبر منحة رودس، التي أتاحت له الدراسة في جامعة أكسفورد البريطانية، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الصحة العامة.

ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا لدراسة الطب، قبل أن يعمل لاحقا أستاذا مساعدا في علم الأوبئة.

هذا الجمع بين الطب والصحة العامة والبحث الأكاديمي شكل لاحقا الأساس الذي بنى عليه السيد خطابه السياسي.

فهو لا يقدم نفسه باعتباره سياسيا تقليديا دخل المجال من بوابة الحزب أو العمل الانتخابي، وإنما كشخص بدأ من التعامل مع المشكلات الصحية والاجتماعية على الأرض، ثم خلص إلى أن كثيرا منها يرتبط بقرارات سياسية واقتصادية أوسع.

«سياسة التعافي».. حين تصبح السياسة مرضا

في كتابه الصادر عام 2020، يحاول السيد توسيع هذا المنظور ليصبح إطارا لقراءة المجتمع الأمريكي.

فبدلا من التعامل مع السياسة باعتبارها صراعا بين برامج انتخابية فقط، ينظر إليها من زاوية تأثيرها في حياة الناس اليومية.

ومن هنا جاء مفهوم «سياسة التعافي»، الذي يستعير لغة الطب ليصف الحاجة إلى معالجة ما يراه خللا عميقا في النظام السياسي والاجتماعي الأمريكي.

وتظهر تجربته الشخصية بقوة في الكتاب، خصوصا ما يتعلق بالهوية والهجرة والانتماء.

كما يخصص مساحة لعائلته، وبينها زوجته سارة، وهي طبيبة نفسية، التي يصف دورها في مساعدته على التعامل مع بعض التجارب المؤلمة التي مر بها.

ويتحدث أيضا عن ابنته ومشاعر الفرح التي رافقت ولادتها، ليمنح الكتاب بعدا شخصيا يتجاوز التحليل السياسي المباشر.

من خسارة سباق الحاكم إلى سباق مجلس الشيوخ

كانت الخطوة السياسية الكبرى الأولى للسيد في عام 2018، عندما خاض الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمنصب حاكم ميشيغان.

لكن حملته انتهت بخسارة الترشيح أمام غريتشن ويتمر، التي واصلت طريقها لتصبح حاكمة الولاية.

ومع ذلك، لم تؤد الخسارة إلى نهاية مشروع السيد السياسي.

فقد استمر حضوره في المجال العام، مستفيدا من خلفيته في الصحة العامة ومن قدرته على الربط بين قضايا الرعاية الصحية والاقتصاد والفقر والهوية والسياسة.

وبعد أكثر من ثماني سنوات على تلك التجربة، عاد إلى ميشيغان من بوابة أكثر أهمية، وهذه المرة في سباق مجلس الشيوخ الأمريكي.

وفوزه بترشيح الحزب الديمقراطي في أغسطس/آب 2026 أعاد اسمه إلى واجهة السياسة الوطنية، وفتح أمامه فرصة تاريخية لم تكن متاحة عندما خاض سباق حاكم الولاية.

الهوية من هامش السياسة إلى قلبها

تكتسب تجربة السيد أهمية إضافية بسبب خلفيته العربية والمسلمة، لكنه حاول طوال مسيرته تقديم هويته باعتبارها جزءا من قصته الشخصية، لا حدا فاصلا بينه وبين المجتمع الأمريكي.

ومنذ حواره عام 2017، ظل يؤكد أن الدين بالنسبة إليه يرتبط بما يدعو إليه الإنسان ويرجوه لعائلته ومجتمعه وبلده.

هذه الرؤية ساعدته على صياغة خطاب يجمع بين تجربته الشخصية كمسلم أمريكي من أصول مصرية، وخبرته المهنية في الطب والصحة العامة، واهتمامه بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة الناخبين.

واليوم، يجد السيد نفسه أمام اختبار مختلف تماما عن ذلك الذي خاضه في 2018. فالمطلوب لم يعد مجرد الفوز بترشيح لمنصب حاكم الولاية، وإنما خوض انتخابات مجلس الشيوخ على مستوى الولاية بأكملها.

وفي حال نجاحه في الانتخابات العامة، لن يكون الأمر مجرد محطة جديدة في مسيرته السياسية، بل سيضعه في موقع تاريخي بوصفه أول سيناتور مسلم في الولايات المتحدة.

وهكذا تبدو رحلة عبدول السيد، من عيادة الصحة العامة في ديترويت إلى سباق مجلس الشيوخ، امتدادا لفكرة واحدة رافقته منذ بداياته: أن السياسة، مثل الطب، لا تنجح في علاج المجتمع إذا اكتفت بالتعامل مع الأعراض وتركت جذور المرض دون تشخيص.

زر الذهاب إلى الأعلى