اقتصاد

فولكس فاغن تواجه أزمة حادة وخطة لإعادة الهيكلة وتقليص الوظائف والمصانع

حذّر الرئيس التنفيذي لمجموعة فولكس فاغن الألمانية، أوليفر بلوم، من أن وضع أكبر شركة لصناعة السيارات في أوروبا أصبح «أكثر من حرج»، في ظل ضغوط متزايدة تدفع المجموعة إلى إعادة النظر في حجم إنتاجها وعدد طرازاتها ووظائفها ومصانعها.

وقال بلوم، في مقابلة نشرت عبر الشبكة الداخلية للشركة، إن فولكس فاغن وقطاع السيارات الألماني يمران بأكبر تحول في تاريخهما، مؤكدا أن مستويات الأرباح الحالية لم تعد كافية لتمويل الاستثمارات اللازمة في التقنيات الحديثة والمنتجات الجديدة وضمان استمرار مواقع الإنتاج على المدى الطويل.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه الشركة منافسة متصاعدة من شركات السيارات الصينية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والعمالة في ألمانيا، فضلا عن تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية واللوائح التنظيمية المتزايدة التي تضغط على صناعة السيارات الأوروبية.

تقليص عدد الطرازات والطاقة الإنتاجية

وأقرت فولكس فاغن خطة لإعادة هيكلة مجموعة طرازاتها تدريجيا، مع إمكانية تقليص عددها بنسبة تصل إلى 50%، والتركيز بصورة أكبر على الفئات والقطاعات التي تحقق عوائد أفضل.

وتسعى المجموعة بالتوازي إلى خفض طاقتها الإنتاجية السنوية من نحو 10 ملايين سيارة حاليا إلى قرابة 9 ملايين سيارة، في محاولة لمعالجة فائض الطاقة الإنتاجية ورفع كفاءة المصانع وتقليل التكاليف.

ويعكس هذا التوجه حجم التحديات التي تواجهها المجموعة، بعدما أصبح الحفاظ على مستويات الإنتاج السابقة أكثر صعوبة في ظل تراجع الطلب في بعض الأسواق واشتداد المنافسة في سوق السيارات الكهربائية.

100 ألف وظيفة على طاولة المراجعة

ولا تقتصر خطة إعادة الهيكلة على المنتجات والمصانع، إذ يدرس بلوم، وفقا لمصادر مطلعة نقلت عنها رويترز، إجراءات أكثر عمقا قد تصل إلى إلغاء نحو 100 ألف وظيفة.

وفي حال تنفيذ هذا السيناريو، فستكون العملية أكبر بكثير من الخطة الحالية التي تستهدف خفض 50 ألف وظيفة، ما يجعلها واحدة من أضخم عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ المجموعة.

وكانت الشركة قد توصلت بالفعل إلى اتفاقات مع نحو 37 ألف موظف بشأن التخفيضات المقررة، وفقا لما أعلنه بلوم.

وتثير احتمالات تسريح أعداد إضافية من العاملين مخاوف كبيرة في ألمانيا، حيث تعد فولكس فاغن من أكبر أرباب العمل في قطاع الصناعة، وترتبط مصانعها بشبكة واسعة من الموردين والأنشطة الاقتصادية المحلية.

مصانع ألمانية مهددة بالإغلاق

وتدرس إدارة فولكس فاغن أيضا مستقبل عدد من مصانعها في ألمانيا، مع طرح إمكانية إغلاق أربعة مواقع، هي مصانع هانوفر وإمدن وتسفيكاو، إلى جانب مصنع تابع لأودي في نيكارسولم.

ولم تتخذ المجموعة قرارا نهائيا بشأن إغلاق هذه المصانع أو تنفيذ تخفيضات إضافية في الوظائف، إلا أن مجرد طرح هذه الخيارات يعكس حجم الضغوط التي تواجهها عمليات الإنتاج داخل ألمانيا.

وأكد بلوم أن إغلاق المصانع يمثل «الحل الأخير والأكثر كلفة»، مشيرا إلى أن الشركة تبحث في الوقت نفسه عن استخدامات صناعية بديلة لبعض المواقع التي قد يتوقف فيها إنتاج السيارات.

ومن بين الخيارات المطروحة إجراء محادثات مع شركات في قطاع الدفاع بشأن إمكانية استخدام مصنع أوسنابروك في أنشطة صناعية أخرى.

تراجع استغلال المصانع

وتكشف معدلات استغلال الطاقة الإنتاجية عن جانب آخر من الأزمة، إذ تشير بيانات اطلعت عليها رويترز إلى أن مصانع مجموعة فولكس فاغن للسيارات في ألمانيا يتوقع أن تعمل خلال عام 2026 بنحو 81% من طاقتها القياسية.

وقد تتراجع هذه النسبة إلى نحو 73% بحلول نهاية العقد، ما يعني استمرار وجود طاقات إنتاجية غير مستغلة داخل المجموعة.

وتبدو المشكلة أكثر حدة في مصنع تسفيكاو، الذي يتوقع أن ينخفض معدل استغلال طاقته الإنتاجية من 88% خلال العام الجاري إلى حوالي 42% بحلول عام 2030.

ويضع انخفاض الإنتاج أمام المجموعة خيارا صعبا بين استمرار تشغيل المصانع بكفاءة منخفضة أو إعادة توزيع الإنتاج أو تحويل بعض المواقع إلى أنشطة أخرى.

فائض بنحو نصف مليون سيارة

وقال بلوم إن المجموعة تواجه في أوروبا فائضا في الطاقة الإنتاجية يعادل نحو 500 ألف سيارة سنويا، وهو فائض يزيد الضغط على ربحية المصانع ويجعل خفض الإنتاج وإعادة تنظيم العمليات أكثر إلحاحا.

وتعمل الشركة أيضا على تقليل ما تسميه «تعقيد العروض»، من خلال خفض عدد الخيارات والتجهيزات المتاحة للسيارات بنسبة قد تصل إلى 75%.

وتهدف هذه الخطوة إلى تبسيط عمليات التصنيع وتقليل عدد المكونات والخيارات المختلفة، بما يساعد على خفض تكاليف الإنتاج وتحسين كفاءة المصانع.

المنافسة الصينية تضغط على فولكس فاغن

وتواجه الشركة الألمانية في الوقت نفسه تغيرا كبيرا في خريطة المنافسة العالمية، مع صعود شركات السيارات الصينية التي أصبحت أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الأوروبية، ولا سيما في مجال السيارات الكهربائية.

وتضاف المنافسة الصينية إلى ارتفاع تكاليف العمالة والطاقة في ألمانيا، فضلا عن تشديد القواعد البيئية والتنظيمية والرسوم الأمريكية المفروضة على بعض الواردات.

وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى تراجع هوامش أرباح المجموعة بصورة كبيرة، إذ انخفضت إلى نحو النصف بين عامي 2021 و2025، وفقا لرويترز.

كما فقد سهم فولكس فاغن أكثر من نصف قيمته خلال السنوات الثلاث الماضية، في انعكاس للقلق المتزايد لدى المستثمرين بشأن قدرة المجموعة على استعادة قدرتها التنافسية وتحقيق نمو مستدام.

ولا يرى بلوم في الوقت الراهن مؤشرات تسمح بافتراض تحسن سريع في البيئة العالمية، بل قال إن الشركة تبني خططها على أساس احتمال ازدياد المخاطر خلال الفترة المقبلة.

مواجهة بين الإدارة والعمال

وأثارت خطط إعادة الهيكلة معارضة قوية من العاملين والنقابات، خصوصا نقابة «آي جي ميتال» ومجلس العمال في فولكس فاغن، اللذين يرفضان عمليات الإغلاق الواسعة وتسريح أعداد إضافية من الموظفين.

وشهدت مدينة فولفسبورغ احتجاجات شارك فيها نحو 400 عامل، اعتراضا على خطط الإدارة لإعادة الهيكلة.

وحذرت نقابة «آي جي ميتال» من أن تنفيذ تخفيضات أعمق في الوظائف أو إغلاق عدد من المصانع قد يقود إلى صدام واسع بين الإدارة والعاملين.

وتضع هذه المواجهة إدارة فولكس فاغن أمام تحد مزدوج؛ فمن جهة، تحتاج الشركة إلى خفض تكاليفها ومعالجة فائض الإنتاج لاستعادة قدرتها على المنافسة، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطا سياسية ونقابية واجتماعية للحفاظ على الوظائف ومواقع الإنتاج داخل ألمانيا.

مستقبل الصناعة الألمانية على المحك

وتتجاوز أزمة فولكس فاغن حدود الشركة نفسها، إذ تعد مؤشرا على التحولات العميقة التي يشهدها قطاع السيارات الألماني بأكمله.

فالصناعة التي بنت قوتها على الهندسة المتقدمة والسيارات ذات محركات الاحتراق تواجه الآن انتقالا سريعا نحو السيارات الكهربائية والبرمجيات والتقنيات الرقمية، بالتزامن مع دخول منافسين صينيين يمتلكون تكاليف إنتاج أقل وسلاسل توريد متطورة.

وبالنسبة إلى فولكس فاغن، تبدو إعادة الهيكلة محاولة لإعادة ضبط حجم المجموعة بما يتناسب مع ظروف السوق الجديدة، لكن نجاحها سيتوقف على قدرتها على خفض التكاليف دون إضعاف قدرتها على الابتكار، والحفاظ على المواهب والخبرات، وتسريع تطوير السيارات الكهربائية والتقنيات الرقمية.

وفي ظل هذه التحديات، يبدو أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد موقع فولكس فاغن داخل صناعة السيارات العالمية، وما إذا كانت الشركة ستنجح في تحويل أزمتها الحالية إلى فرصة لإعادة بناء نموذج أعمال أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة.

زر الذهاب إلى الأعلى