ثقافة

“البيت الشركسي” في الأردن.. متحف يوثق ذاكرة شعب ويحفظ تراثه للأجيال

في أحد أحياء مدينة الزرقاء الأردنية، يقف منزل الباحث والكاتب الأردني من أصول شركسية عدنان بزادوغ شاهداً على رحلة امتدت لأكثر من أربعة عقود في توثيق تاريخ الشركس وحفظ إرثهم الثقافي. فما بدأ بجمع صورة قديمة لإحدى الشخصيات الشركسية تحول مع مرور الزمن إلى متحف متكامل يحمل اسم “البيت الشركسي”، يضم آلاف الوثائق والصور والمقتنيات التي تؤرخ لحياة الشركس والشيشان والداغستانيين في الأردن ومناطق الشتات.

ويُعد هذا المتحف اليوم مرجعاً مهماً للباحثين والمهتمين بالتراث، حيث يستقبل طلبة الجامعات والوفود الثقافية الراغبة في التعرف على تاريخ الشركس وعاداتهم وتقاليدهم، إضافة إلى دورهم في بناء الدولة الأردنية ومؤسساتها المختلفة.

رحلة بدأت بصورة وانتهت بمتحف متكامل

بدأ عدنان بزادوغ مشروعه في سن مبكرة، عندما أخذ يجمع صور الشخصيات الشركسية التي كان لها حضور بارز في المجالات السياسية والعسكرية والثقافية والرياضية داخل الأردن. ومع اتساع اهتمامه، لم تعد الصور وحدها كافية، بل بدأ بجمع كل ما يتعلق بتاريخ الشركس، من وثائق ومخطوطات وخرائط وأدوات تراثية وكتب وصحف وتسجيلات صوتية ومرئية.

وبمرور السنوات، امتلأت غرف منزله بالمقتنيات النادرة، قبل أن تتحول إلى متحف دائم يروي قصة شعب حافظ على هويته وتراثه رغم تعاقب الأجيال.

مقتنيات توثق الحياة الشركسية

يضم “البيت الشركسي” مجموعة واسعة من القطع التراثية التي تعكس تفاصيل الحياة اليومية للشركس عبر التاريخ، من بينها:

  • الأزياء التقليدية الشركسية.
  • أدوات الزراعة والصيد.
  • أواني الطهي القديمة.
  • البنادق والخناجر والسيوف التاريخية.
  • صور ووثائق نادرة.
  • خرائط ومخطوطات تاريخية.
  • صحف ومجلات قديمة.
  • تسجيلات صوتية ومرئية بلغات متعددة.

ولا ينظر بزادوغ إلى هذه المقتنيات باعتبارها مجرد معروضات، بل يعدها سجلاً حياً لذاكرة شعب وتاريخه الممتد.

صور نادرة توثق بدايات المدن الأردنية

من أبرز ما يلفت انتباه الزائر صور جوية بالأبيض والأسود لمنطقتي الزرقاء وصويلح، التُقطت قبل نحو قرن، ويُعتقد أن طائرات أسترالية التقطتها خلال تلك الفترة.

وتكشف الصور بدايات العمران في المنطقتين، عندما كان عدد السكان محدوداً، وكانت العائلات الشركسية من أوائل من استقروا فيهما.

كما يحتفظ المتحف بصورة تاريخية لشرف الدين يحيى رستم، أول عسكري حمل الرقم “1” في الجيش العربي الأردني، إلى جانب صور لشخصيات شركسية وشيشانية أسهمت في الحياة السياسية والعسكرية والثقافية والرياضية بالمملكة.

مكتبة أرشيفية تضم آلاف المراجع

يحتوي المتحف على مكتبة ضخمة جمعها بزادوغ خلال أكثر من 40 عاماً، وتضم كتباً ومجلات وصحفاً وخرائط وقصاصات صحفية بلغات متعددة، منها العربية والشركسية والشيشانية والإنجليزية والروسية والتركية والألمانية.

وأصبحت هذه المكتبة مرجعاً مهماً للباحثين وطلاب الجامعات، لما توفره من معلومات موثقة حول تاريخ الشركس في مدن أردنية مثل عمّان والزرقاء وجرش وصويلح والأزرق ووادي السير، إضافة إلى توثيق وجودهم في دول أخرى حول العالم.

كما تضم المكتبة نسخاً من المصحف الشريف باللغتين الشركسية والشيشانية، إلى جانب إصدارات دورية صدرت في الأردن، مثل مجلات “الواحة” و”نارت” و”البروز” و”ديماق” و”النادي القوقازي” و”الإخاء”.

وثائق تاريخية أصلية

خصص بزادوغ قسماً كاملاً للوثائق الأصلية والمصورة التي توثق مراحل مختلفة من تاريخ الشركس في الأردن، وتشمل:

  • شهادات الميلاد.
  • عقود الزواج.
  • سجلات الأراضي (الطابو).
  • معاملات السفر.
  • قضايا الإرث.
  • السجلات المدرسية.
  • وثائق المحاكم الشرعية.

كما يضم الأرشيف وثائق صادرة عن وزارة الخارجية البريطانية تتناول تهجير الشركس من موطنهم الأصلي في القوقاز، إضافة إلى برقيات تاريخية تعود إلى عام 1878.

ومن بين الوثائق اللافتة أيضاً قصاصة تاريخية تتحدث عن حادثة مواجهة وقعت في وادي السير خلال نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما اشتبك عدد من أبناء المنطقة مع القوات البريطانية أثناء انسحابها، وهي حادثة ما تزال تحظى باهتمام الباحثين في التاريخ المحلي.

أرشيف سمعي وبصري يوثق الثقافة الشركسية

لا يقتصر المتحف على الوثائق والمقتنيات المادية، بل يضم أيضاً أرشيفاً كبيراً من التسجيلات الصوتية والمرئية التي توثق الفلكلور الشركسي والشيشاني، وتشمل حفلات فنية وأغانٍ شعبية وموسيقى ومحاضرات وأفلاماً وثائقية وتعليمية.

ويحتفظ بزادوغ كذلك بأشرطة تعليم اللغة الشركسية، وتسجيلات دينية وقصص تعليمية، بالإضافة إلى نسخة مدبلجة باللغة الشركسية من فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد، فضلاً عن أقراص مدمجة توثق شخصيات بارزة ومساجد تاريخية ومراحل مختلفة من حياة الجالية الشركسية.

الحفاظ على الهوية للأجيال المقبلة

يرى عدنان بزادوغ أن “البيت الشركسي” يتجاوز كونه متحفاً تراثياً، فهو مشروع ثقافي يهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بتاريخ أجدادهم، وتعريفهم بالهوية الشركسية ودورها في المجتمع الأردني.

ويؤكد أن المحافظة على الوثائق والمقتنيات التاريخية تمثل مسؤولية ثقافية ووطنية، لأنها تحفظ ذاكرة شعب كامل وتمنح الباحثين والأجيال القادمة مصدراً موثوقاً لدراسة تاريخ الشركس وإسهاماتهم في الأردن والمنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى