اللاجئون السودانيون في الخارج.. تدهور إنساني وسجن إجباري وتهجير قسري

تزايدت صرخات اللاجئين السودانيين المقيمين في الخارج من المعاناة التي يواجهونها في عدد من دول المنقطة، من ظروف معيشية صعبة في تشاد وسجون تبتلعهم في ليبيا ودول أخرى تجبرهم منذ شهور على العودة القسرية.
لاجئون سودانيون من المقيمين في معسكرات ومخيمات شرق تشاد تحدثوا لراديو دبنقا عن معاناتهم من الارتفاع المفاجئ في أسعار السلع الأساسية، وخاصة الذرة والدخن اللذين يعتبران الغذاء الرئيسي لسكان المخيمات، وذلك بسبب شح كمية الأمطار الذي يهدد نجاح الموسم الزراعي.
ويشير هؤلاء اللاجئون إلى أن الوضع المعيشي في معسكرات تشاد يشهد تدهورًا مريعًا جراء خروج عدد كبير من اللاجئين من قوائم المساعدات الغذائية. أما على مستوى الوضع الصحي، كشف لاجئون عن تفشي الملاريا والحميات الأخرى بسبب تزايد البعوض.
وفي ليبيا تشهد العاصمة الليبية منذ شهور تظاهرات حاشدة هي الأكبر من بين سلسلة احتجاجات ضد المهاجرين بسبب مزاعم عن مشاريع لتوطينهم داخل البلاد، وأعقب ذلك انطلاق حملات أمنية مكثفة وغير مسبوقة لضبط العمالة الوافدة وترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم، ليجد آلاف السودانيين أن رحلتهم التي بدأت بحثًا عن الأمان انتهت خلف جدران مراكز الاحتجاز، أو حبيسي منازلهم خوفًا من النزول إلى الشارع، لتفادي الترحيل.
إلا أنه ما بدا مفاجئًا أنه ورغم الأحاديث السعودية عن دعمها لسلطة بورتسودان وتتمييز الرياض باتفاقات أمنية واقتصادية من قبل حكومة الجيش السوداني إلا أن تقارير تتحدث عن عمليات ترحيل قسري للاجئين سودانيين من المملكة.
تقول مجلة أتر الصادرة عن مركز فاكتس للصحافة، إن “السعودية أوقفت تمديد زيارات السودانيين منتهية الصلاحية في المملكة، ومعظمهم ممن دفعت بهم الحرب للسفر إليها، فيما تتواصل أحاديث السودانيين القادمين إلى المملكة بموجب الزيارة العائلية أن الجوازات السعودية قد ألغت خيار التجديد الاستثنائي لحاملي تأشيرات الزيارات العائلية التي استخرجت من سفارات المملكة خارج السودان”.
تثير التقارير الحديثة في شأن أوضاع السودانيين في السعودية استغراب المراقبين والحقوقيين في السودان، ما بين حرص المملكة على توقيع اتفاقات عسكرية واقتصادية مع حكومة الجيش السوداني بينما تتزايد أوضاع مواطنيها سوءًا على الأراضي السعودية.
وينظر كثير من السودانيين بعين الريبة لطبيعة الاتفاقات التي وقعها السودان في الشهور الأخيرة مع السعودية، فيما تطالب قوى سياسية وخبراء سودانيون بإخضاع أي اتفاق مستقبلي بين البلدين خصوصًا ما يتعلق بالبحر الأحمر للشفافية والرقابة القانونية والمؤسسية، وعدم تركه لتفاهمات سياسية مغلقة، على أن يظل شعار التفاوض قائم على المعاملة بالمثل.
وفي الآونة الأخيرة وأمام الأوضاع المعيشية الصعبة للسودانيين، يطالب كثيرون بإعطاء ترسيم الحدود البحرية أولوية وطنية قبل الدخول في ترتيبات اقتصادية أو استراتيجية جديدة مع السعودية باعتبارها الطرف المقابل على البحر الأحمر.
مخاوف التفريط
تقول صحيفة الراكوبة في تقرير لها إن “الحدود البحرية بين السعودية والسودان، رغم مرور أكثر من نصف قرن على بدء النقاشات بشأنها، ظلت دون حسم نهائي واضح ينهي حالة الغموض القانوني والسياسي المحيطة بها، حيث لا يتعلق الأمر بخلاف فني محدود حول خطوط بحرية، بل بملف يرتبط بالسيادة الوطنية، وحقوق استغلال الموارد، وأمن الملاحة، ومستقبل الثروات المعدنية والهيدروكربونية المحتملة في البحر الأحمر”.
وتؤكد الصحيفة السودانية أن “أهمية هذا الملف تزداد في ظل الحرب السودانية وما أفرزته من إضعاف للمؤسسات الوطنية، وتزايد الاعتماد على الدعم الخارجي، وتنامي الحضور الإقليمي في الموانئ والساحل ومشروعات التعدين والاستثمار. وفي مثل هذه الظروف، يصبح بقاء الحدود الاقتصادية والبحرية دون تسوية نهائية مصدر قلق حقيقي، لأنه قد يفتح المجال أمام ترتيبات طويلة الأجل تُبرم في ظل اختلال واضح في موازين القوة التفاوضية”.
تعود جذور الملف إلى اكتشاف رواسب معدنية مهمة في قاع البحر الأحمر منذ ستينيات القرن الماضي، ولا سيما في المنطقة الواقعة بين الساحلين السعودي والسوداني، قبل أن يتوصل الطرفان في مايو 1974، إلى اتفاق لتنظيم استغلال الموارد البحرية.
آنذاك ووفق الاتفاف جرى تقسيم المنطقة إلى ثلاثة نطاقات رئيسية: نطاق غربي بمحاذاة الساحل السعودي حتى عمق ألف متر، ونطاق شرقي بمحاذاة الساحل السوداني حتى العمق نفسه، ومنطقة مشتركة تُمنح فيها حقوق متساوية للطرفين، بحسب الصحيفة.
وتضيف: “غير أن هذا الاتفاق لم يكن ترسيما نهائيا للحدود البحرية بقدر ما كان ترتيب لتنظيم الاستغلال وتجميد الخلافات مؤقتًا كما أُنشئت اللجنة السعودية – السودانية لتنمية موارد البحر الأحمر، برئاسة وزيري الثروة المعدنية في البلدين، مع مساهمة وتمويل سعودي أكبر في عمليات الاستكشاف والتطوير.. وهنا يبرز السؤال الأساسي: لماذا استمر هذا الترتيب المؤقت طوال هذه العقود دون أن يتحول إلى اتفاق نهائي واضح يحدد الحدود البحرية والحقوق السيادية والاقتصادية لكل طرف؟ وهل أدى استمرار الوضع المؤقت إلى خدمة مصالح الطرف الأكثر قدرة ماليًا وتقنيًا وتفاوضيًا، على حساب الطرف الذي ظل يعاني من ضعف الدولة واضطراب مؤسساتها؟”.
وتنبه إلى أن “النقاش بين البلدين لا ينبغي حصره في المعادن وحدها، إذ إن أي تقييم مستقبلي للمنطقة يجب أن يشمل أيضا احتمالات وجود موارد هيدروكربونية في قاع البحر، وأن يحدد بدقة طبيعة الحقوق التي يمنحها اتفاق 1974 لكل طرف، وحدود الانتفاع المشترك، وما إذا كانت هذه الحقوق مؤقتة أو قابلة للتطوير في ضوء قواعد القانون الدولي للبحار فغياب التفسير القانوني الحديث قد يترك ثغرات تسمح بتأويل الاتفاق بما يخدم الطرف الأكثر قدرة على فرض شروطه”.
وترى الصحيفة أن “الحرب السودانية أدت إلى إضعاف قدرة الدولة على إدارة ملفاتها السيادية الكبرى، ورفعت مستوى الاعتماد على القوى الخارجية في مجالات التمويل والدعم السياسي والأمني خصوصًا في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان في أكتوبر 2021 والذي أطاح بالحكومة المدنية، وفي هذا السياق، يتزايد الاهتمام الإقليمي بالموانئ والساحل السوداني وموارد البحر الأحمر، باعتبارها جزء من التنافس على طرق التجارة والطاقة والنفوذ البحري في المنطقة”.
وتؤكد أن “التقارب السعودي مع المؤسسة العسكرية والسلطة المتحالفة معها يكتسب أهمية إضافية، لأنه قد يمنح الرياض نفوذ تفاوضي أوسع في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالموانئ والموارد والاستثمارات الساحلية. ومن ثم فإن أي تفاهمات تبرم في ظل غياب التوافق الوطني والمؤسسات الرقابية قد تتحول إلى التزامات تتجاوز الحكومة القائمة، وتمس حقوق الدولة السودانية لعقود قادمة”.
وهنا تحذر من “أن استمرار الغموض الحدودي بين السعودية والسودان ليس أمرًا طبيعيًا ولا مجرد تفصيل دبلوماسي مؤجل، بل قد يتحول مع مرور الوقت إلى آلية لتثبيت أمر واقع وإعادة توزيع للثروة والنفوذ. ولهذا فإن السودان مطالب بحسم حدوده وحقوقه البحرية قبل توسيع أي شراكات جديدة لاستغلال الموارد أو تطوير الموانئ والساحل”.







