اقتصاد

أزمة الديزل تضرب أوروبا.. المكسيك تعود إلى تصدير الوقود للقارة بعد 7 سنوات

دفعت أزمة الإمدادات المتفاقمة في سوق الديزل الأوروبية إلى فتح مسارات تجارية غير معتادة، بعدما بدأت القارة في استقبال شحنات من المكسيك للمرة الأولى منذ نحو سبع سنوات، في مؤشر جديد على حجم الاضطرابات التي أصابت تجارة الوقود العالمية نتيجة الحرب في الشرق الأوسط وتراجع الإمدادات الروسية.

وبحسب بيانات شركتي كبلر وبلومبيرغ، أرسلت شركة النفط الحكومية المكسيكية «بيميكس» نحو 300 ألف برميل من الديزل منخفض الكبريت للغاية إلى إسبانيا خلال أغسطس/آب الجاري، في خطوة لافتة بالنظر إلى أن المكسيك تعد في العادة من الدول المستوردة للديزل، وليس من كبار المصدرين له.

ارتفاع الأسعار يجعل التصدير إلى أوروبا مجديا

يعكس توجه المكسيك نحو السوق الأوروبية مدى الاختلال الذي أصاب سوق الديزل، إذ ارتفعت الأسعار في أوروبا إلى مستويات جعلت نقل الوقود عبر المحيط الأطلسي مجديا من الناحية التجارية، حتى مع حاجة المكسيك في الوقت نفسه إلى استيراد كميات من الديزل لتلبية الطلب المحلي.

وتعد الشحنة المتجهة إلى إسبانيا أول صادرات لـ«بيميكس» إلى أوروبا من الديزل الذي يستوفي معايير وقود الطرق الأوروبية الصارمة منذ عام 2019، وفقا لتحليل بلومبيرغ لبيانات كبلر.

وخلال السنوات الماضية، اقتصرت بعض الشحنات المكسيكية المتجهة إلى أوروبا على أنواع من الوقود الأقل جودة، والتي تستخدم عادة في وقود السفن أو تدخل في عمليات المزج، قبل أن تعود شحنات الوقود المطابق للمواصفات الأوروبية إلى الواجهة مع اشتداد أزمة الإمدادات.

وسبقت الشحنة المكسيكية إلى إسبانيا شحنات أخرى وصلت إلى الأسواق الأوروبية؛ إذ استقبلت إيطاليا في يوليو/تموز الماضي كمية من الديزل بمستويات كبريت منخفضة بما يكفي لتلبية المعايير الأوروبية، بينما وصلت شحنة مماثلة إلى فرنسا في أبريل/نيسان الماضي.

أسعار الديزل تقفز مع تفاقم أزمة الوقود

تتعرض سوق الديزل العالمية لضغوط قوية منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، بعدما تسببت تداعيات الصراع في تعطيل جزء من قدرات التكرير وتقليص تدفقات الوقود، بالتزامن مع الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية والقيود التي فرضتها موسكو على صادرات الديزل.

وارتفعت أسعار الديزل في أوروبا بنحو 70% مقارنة بالمستويات التي كانت عليها قبل الحرب، وفقا للبيانات الواردة في التقرير، في حين زاد سعر الديزل المتداول في نيويورك إلى أكثر من ضعفي مستواه منذ بداية عام 2026، ليصبح من أفضل السلع الأساسية أداء خلال العام بحسب بيانات بلومبيرغ.

ولم تقتصر الضغوط على أسعار الوقود، بل امتدت إلى هوامش أرباح المصافي الأميركية، إذ تجاوز هامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة حاجز 100 دولار للبرميل خلال الأسبوع الجاري، وهو مستوى قياسي يعكس شدة الطلب على المنتجات المكررة.

وتكشف هذه التطورات أن أزمة الطاقة الحالية لا ترتبط فقط بكمية النفط الخام المتاحة في الأسواق، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بقدرة المصافي العالمية على تحويل الخام إلى ديزل ووقود ومنتجات بترولية أخرى.

ورغم بقاء أسعار خام برنت وغرب تكساس الوسيط دون مستوى 100 دولار للبرميل، فإن أسعار المنتجات المكررة سجلت ارتفاعات أكبر، ما يعكس اتساع الفجوة بين توافر الخام والقدرة على تكريره وتوفير الوقود للمستهلكين.

تراجع طاقات التكرير يزيد صعوبة تعويض النقص

تأتي أزمة الإمدادات في وقت تعرضت فيه طاقات التكرير في الشرق الأوسط لضغوط كبيرة نتيجة الحرب، بينما تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية الواردة في التقرير إلى تعطل نحو خُمس طاقة التكرير في المنطقة، التي تبلغ قدرتها الإجمالية قرابة 9.6 ملايين برميل يوميا.

وفي روسيا، ساهمت الهجمات الأوكرانية المتكررة على المصافي في تقليص إنتاج الوقود، الأمر الذي دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات الديزل بهدف حماية احتياجات السوق المحلية.

وتدرس الحكومة الروسية أيضا تمديد حظر تصدير الديزل لمدة شهر إضافي حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول، بعد أن سبق لها تمديد القيود على الصادرات مرة واحدة.

وتشكل هذه الإجراءات ضغطا إضافيا على الأسواق العالمية، خصوصا أن روسيا تحتل موقع ثاني أكبر مصدر للديزل عالميا، وبالتالي فإن أي تراجع في صادراتها يصعب تعويضه بسرعة من مصادر أخرى.

الولايات المتحدة تتحول إلى مصدر رئيسي للإمدادات

في ظل تراجع الإمدادات القادمة من روسيا والشرق الأوسط، ازدادت أهمية الولايات المتحدة كمصدر للوقود المكرر للأسواق العالمية، بعدما ارتفعت صادراتها من الوقود إلى متوسط أسبوعي قياسي بلغ نحو 1.9 مليون برميل يوميا.

واستفادت الصادرات الأميركية من ارتفاع معدلات تشغيل المصافي، الأمر الذي سمح لواشنطن بتعويض جزء من النقص في الأسواق الخارجية، لكن هذا الدور المتزايد بدأ يفرض ضغوطا على المخزونات المحلية.

ويثير انخفاض المخزونات الأميركية مخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على مواصلة تزويد الأسواق العالمية بالكميات نفسها، خصوصا إذا استمرت الاضطرابات التي تؤثر في المصافي والإمدادات الروسية والشرق أوسطية.

وبذلك، تكشف عودة المكسيك إلى تصدير الديزل نحو أوروبا عن مدى التغير الذي طرأ على خريطة تجارة الوقود العالمية، حيث باتت الأسعار المرتفعة تدفع المنتجين إلى إعادة توجيه الشحنات نحو أسواق بعيدة، فيما تبحث أوروبا عن أي مصدر قادر على سد فجوة الإمدادات المتزايدة.

زر الذهاب إلى الأعلى