لماذا ارتفعت معدلات الحساسية عالميا؟ أبرز العوامل التي تقف وراء الانتشار المتزايد

لم تعد الحساسية مجرد مشكلة صحية تصيب فئة محدودة من الأشخاص، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر الأمراض المزمنة انتشارا حول العالم. وتشير تقديرات المنظمة العالمية للحساسية إلى أن ما بين 20% و30% من سكان العالم يعانون أحد أشكال الحساسية، مع استمرار ارتفاع معدلات الإصابة نتيجة مجموعة معقدة من العوامل البيئية والغذائية والمناعية.
وتشمل الأمراض التحسسية التهابات الأنف التحسسية، والربو، والإكزيما، والأرتيكاريا المزمنة، وحساسية الطعام، وحساسية الأدوية، وحساسية الحشرات، إضافة إلى اضطرابات مناعية أخرى قد تتزامن لدى الشخص نفسه، مما يزيد من تعقيد الحالة وصعوبة السيطرة عليها.
التلوث داخل المنازل يرفع خطر الإصابة بالحساسية
لم يعد الهواء الخارجي المصدر الوحيد للملوثات، إذ أصبحت المنازل والمكاتب تضم تركيزات مرتفعة من المركبات العضوية المتطايرة وشبه المتطايرة المنبعثة من السجاد، والأثاث، والمنظفات، والدهانات، والأجهزة الإلكترونية، ومستحضرات التجميل والعناية الشخصية.
وتشير الدراسات إلى أن تركيز هذه المركبات داخل الأبنية الحديثة قد يفوق الهواء الخارجي بعشرات المرات، وهو ما يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي والعينين والجلد، كما يساهم في تحفيز الالتهابات المزمنة واضطراب عمل الجهاز المناعي، الأمر الذي يزيد احتمالات الإصابة بالحساسية مع التعرض المستمر.
كما تمثل الأبخرة الناتجة عن دخان السجائر وعوادم المركبات والعفن المنتشر في بعض المباني وأنظمة التهوية بيئة إضافية تزيد من تعرض الإنسان للمهيجات المختلفة، خاصة مع قضاء معظم ساعات اليوم داخل الأماكن المغلقة.
اختلال الميكروبيوم وتأثيره على المناعة
يؤدي الميكروبيوم، وهو مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة النافعة الموجودة داخل الجسم، دورا محوريا في تنظيم الجهاز المناعي. وأي اضطراب في توازنه قد يزيد من احتمالات الإصابة بالحساسية.
ويربط الباحثون هذا الاختلال بعدة عوامل حديثة، من بينها الإفراط في استخدام المضادات الحيوية، والاعتماد المتزايد على الولادة القيصرية، وانخفاض معدلات الرضاعة الطبيعية، والإفراط في استخدام المطهرات ومضادات البكتيريا، إضافة إلى تعقيم المياه بصورة مكثفة.
وتشير أبحاث عديدة إلى أن انخفاض تنوع البكتيريا النافعة داخل الأمعاء خلال السنوات الأولى من العمر يرتبط بزيادة خطر الإصابة بحساسية الطعام، والإكزيما، والتهاب الأنف التحسسي، فضلا عن بعض أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو.
كما توصلت دراسات إلى أن اختلال التوازن البكتيري في الرئتين قد يساهم بدوره في زيادة الاستجابة التحسسية وحدوث التهابات مزمنة بالمجاري التنفسية.
الأطعمة فائقة التصنيع تغير استجابة الجسم
تعد الأنظمة الغذائية الحديثة من أبرز العوامل التي يعتقد أنها ساهمت في زيادة انتشار الحساسية خلال العقد الأخير، خاصة مع الانتشار الواسع للأطعمة فائقة التصنيع والوجبات السريعة.
وتوضح الدراسات أن هذه الأنماط الغذائية تؤثر سلبا في الميكروبيوم المعوي، كما تضعف الحواجز الطبيعية للأمعاء والجلد، مما يسهل مرور المواد المسببة للحساسية ويزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض الالتهابية والمناعية.
في المقابل، تبين أن الأنظمة الغذائية الغنية بالألياف تعزز إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة، مثل البيوتيرات، والتي تلعب دورا مهما في تقوية الحاجز المناعي للجلد والأمعاء، وتساعد على الحد من الاستجابات التحسسية.
عوامل أخرى تساهم في انتشار الحساسية
يرى الباحثون أن ارتفاع معدلات الحساسية لا يرتبط بسبب واحد، وإنما بمجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
- زيادة التعرض للملوثات الكيميائية داخل المباني.
- اضطراب الميكروبيوم بسبب تغير أنماط الحياة.
- الإفراط في استخدام المضادات الحيوية والمطهرات.
- الاعتماد المتزايد على الأطعمة المصنعة والوجبات السريعة.
- انخفاض التعرض الطبيعي للكائنات الدقيقة المفيدة مقارنة بالأجيال السابقة.
لماذا تزداد الحساسية عاما بعد عام؟
يشير الخبراء إلى أن نمط الحياة الحديث غيّر بصورة كبيرة العلاقة الطبيعية بين الإنسان وبيئته، فازدادت الملوثات الكيميائية، وتغيرت الأنظمة الغذائية، وضعف التنوع الميكروبي داخل الجسم، وهي عوامل تعمل مجتمعة على زيادة اضطرابات الجهاز المناعي ورفع معدلات الإصابة بالحساسية في مختلف أنحاء العالم.
ورغم التقدم العلمي، لا تزال الآليات الدقيقة التي تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بالحساسية دون غيرهم غير مفهومة بالكامل، إلا أن الأبحاث الحالية تؤكد أن الوقاية تعتمد بدرجة كبيرة على تبني نمط حياة صحي، والحد من التعرض للمهيجات، والمحافظة على نظام غذائي متوازن يدعم صحة الجهاز المناعي والميكروبيوم.







