هل تقليل البروتين يبطئ الشيخوخة؟ دراسات تكشف فوائد محتملة ومخاطر لدى كبار السن

يُعد البروتين من العناصر الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها الجسم لبناء العضلات والأنسجة وإصلاحها، كما يشارك في إنتاج الإنزيمات والهرمونات، ويسهم في دعم جهاز المناعة والعديد من الوظائف الحيوية والعصبية.
وتزداد الحاجة إلى الاهتمام بالبروتين مع التقدم في العمر، إذ يبدأ الجسم تدريجيا في فقدان جزء من كتلته العضلية وقوته، ما يجعل الحصول على كمية كافية منه عاملا مهما للحفاظ على الحركة والتوازن والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية والاستقلالية.
لكن العلاقة بين البروتين والشيخوخة أكثر تعقيدا مما قد تبدو عليه، فقد بدأت دراسات حديثة تبحث في تأثير كمية البروتين ونوعية الأحماض الأمينية التي يوفرها على عمليات الأيض ونمو الخلايا والالتهابات والشيخوخة البيولوجية.
وتشير بعض الأبحاث إلى أن تقليل البروتين أو الحد من بعض الأحماض الأمينية قد يرتبط بتحسين آليات الإصلاح الخلوي وربما إطالة العمر، بينما تحذر دراسات أخرى من مخاطر نقص البروتين، خصوصا لدى كبار السن، بسبب تأثيره في العضلات والحركة وقدرة الجسم على التعافي من الأمراض.
وبين السعي إلى إبطاء مظاهر الشيخوخة والحاجة إلى الحفاظ على الكتلة العضلية، يبرز سؤال مهم: ما الكمية المناسبة من البروتين؟ ومن قد يستفيد من تقليله؟ ومن يمكن أن يتضرر من اتباع نظام منخفض البروتين؟
تقليل البروتين وطول العمر
أشارت مراجعة علمية حديثة نُشرت في دورية “سيل بريس بلو” (Cell Press Blue) في 17 أغسطس/آب 2026 إلى أن تقييد إجمالي البروتين في النظام الغذائي أو الحد من بعض الأحماض الأمينية الأساسية قد يسهم في تحسين الصحة وربما إطالة العمر، على نحو يشبه بعض التأثيرات المرتبطة بتقييد السعرات الحرارية.
وشملت المراجعة أكثر من 350 دراسة علمية تناولت تأثيرات تقييد البروتين وبعض الأحماض الأمينية الأساسية، من بينها الآيزوليوسين (Isoleucine) والميثيونين (Methionine)، على الصحة والشيخوخة.
ووجد الباحثون أن خفض استهلاك البروتين ارتبط بعدد من التأثيرات الإيجابية المحتملة، منها زيادة استهلاك الطاقة وحرق مزيد من السعرات الحرارية، وخفض مستويات الدهون في الجسم، وتحسين تنظيم الأنسولين.
كما ارتبط انخفاض البروتين بارتفاع مستويات هرمون عامل نمو الأرومات الليفية “إف جي إف 21” (FGF21)، وهو هرمون يرتبط بعدد من الآليات التي قد تساعد الجسم على مواجهة بعض التغيرات المصاحبة للتقدم في العمر.
وأظهرت المراجعة أيضا أن الأنظمة الغذائية منخفضة البروتين ساعدت في تثبيط مسار “إم تي أو آر سي 1” (mTORC1) وتنشيط مسار “جي سي إن 2” (GCN2)، وهما من أبرز المستشعرات الخلوية للمغذيات، ويلعبان دورا في تنظيم نمو الخلايا واستجابتها للضغوط.
ويرى الباحثون أن هذه التغيرات قد تدفع الخلايا إلى التركيز بدرجة أكبر على عمليات الإصلاح والصيانة بدلا من النمو المستمر، كما يمكن أن تعزز عملية الالتهام الذاتي (Autophagy)، وهي آلية طبيعية تتخلص من خلالها الخلايا من مكوناتها التالفة والمتراكمة.
كما ارتبط تقليل البروتين بانخفاض عدد الخلايا الهرمة أو الشيخوخة (Senescent Cells)، وهي خلايا متضررة تتوقف عن الانقسام ولا تموت، ويمكن أن تسهم في الالتهاب المزمن وبعض مظاهر التدهور المرتبطة بالتقدم في العمر.
الأحماض الأمينية ودورها في الشيخوخة
حددت المراجعة ثلاثة أحماض أمينية أساسية قد يرتبط تقليلها بفوائد محتملة فيما يتعلق بطول العمر، وهي الآيزوليوسين (Isoleucine)، والفالين (Valine)، والميثيونين (Methionine).
كما أشار الباحثون إلى أن تقليل بعض الأحماض الأمينية غير الأساسية، مثل التيروزين (Tyrosine) والسيستيين (Cysteine)، قد يرتبط بفوائد صحية إضافية.
لكن هذه النتائج لا تعني أن تقليل جميع الأحماض الأمينية مفيد، إذ أشارت المراجعة إلى أن أحماضا أخرى، مثل الغلايسين (Glycine) والسيرين (Serine) والبرولين (Proline)، قد تؤدي أدوارا مفيدة عندما يحصل الجسم عليها بكميات مناسبة.
وتوضح هذه النتائج أن تأثير البروتين في الشيخوخة لا يعتمد فقط على الكمية الإجمالية التي يتناولها الشخص، وإنما يرتبط أيضا بنوعية البروتين وتركيبته من الأحماض الأمينية.
لماذا لا يمكن تعميم نتائج تقليل البروتين؟
يقول الدكتور محمد حسن، المدرس بكلية الطب في جامعة القاهرة واستشاري التغذية العلاجية والأدوية الطبية، إن الدراسات التي تؤكد أهمية البروتين لا تتعارض بالضرورة مع الأبحاث التي تبحث في فوائد تقليله بهدف الوصول إلى شيخوخة صحية.
ويوضح أن التقدم في العمر يرتبط بصورة طبيعية بتراجع الكتلة العضلية، ولذلك يصبح الحصول على كمية كافية من البروتين أكثر أهمية، بالتزامن مع ممارسة تمارين المقاومة، خصوصا لدى كبار السن.
ويشير حسن إلى أن الدراسات التي بحثت تقليل أحماض أمينية مثل الآيزوليوسين والميثيونين والفالين بهدف تحسين عمليات الأيض وإطالة العمر لا يمكن تحويل نتائجها إلى توصيات غذائية عامة لجميع البشر.
ويرجع ذلك إلى أن نسبة كبيرة من هذه الأبحاث أُجريت على الحيوانات، وبالتالي لا يمكن اعتبار نتائجها دليلا كافيا لتوصية الإنسان بتقليل هذه الأحماض الأمينية أو خفض البروتين من تلقاء نفسه.
ويؤكد أن كمية البروتين ونوعيته عاملان مهمان في التغذية، مشيرا إلى أهمية التنويع والموازنة بين المصادر الحيوانية والنباتية للاستفادة من العناصر الغذائية المختلفة التي توفرها هذه المصادر.
تغذية كبار السن تحتاج إلى توازن
تقول الدكتورة رانيا أحمد بسيوني، الباحثة في قسم التغذية وعلوم الأطعمة بمعهد بحوث الصناعات الغذائية والتغذية بالمركز القومي للبحوث في القاهرة، إن تغذية كبار السن تحتاج إلى اهتمام خاص من حيث نوعية الطعام وكميته ومدى قدرته على تلبية احتياجات الجسم.
وتوضح أن أحد أهم أهداف التغذية في مرحلة الشيخوخة هو الحفاظ على الكتلة العضلية وقوتها، لما لذلك من تأثير مباشر على الحركة والتوازن والقدرة على الاعتماد على النفس.
ويمكن دعم الحفاظ على العضلات من خلال الحصول على كمية مناسبة من البروتين إلى جانب النشاط البدني وتمارين تقوية العضلات، وهي عوامل تساعد معا في الحد من فقدان القوة والقدرة الوظيفية مع التقدم في العمر.
وتؤكد بسيوني أنه لا يُنصح بخفض البروتين لدى كبار السن بهدف مقاومة الشيخوخة من دون تقييم الاحتياجات الغذائية لكل شخص على حدة، كما أن الإفراط في تناوله لا يعني بالضرورة الحصول على فوائد إضافية.
والمعروف حاليا أن الحصول على كمية كافية من البروتين يدعم الصحة والحفاظ على العضلات مع التقدم في العمر، بينما لا يزال تأثير البروتين بصورة مباشرة في سرعة الشيخوخة البيولوجية موضوعا قيد البحث العلمي.







