البوسنة والهرسك.. انتخابات جديدة في دولة ما زالت تواجه تعقيدات إرث حرب التسعينيات

كان تفكك يوغوسلافيا والحروب التي أعقبته خلال تسعينيات القرن الماضي من أكثر المراحل دموية في تاريخ البلقان الحديث. وبدأ مسار الانفصال من سلوفينيا وكرواتيا، قبل أن ينتقل الصراع إلى البوسنة والهرسك، التي تحولت إلى الساحة الأكثر دموية وتعقيداً في حروب التفكك اليوغوسلافي.
أعلنت سلوفينيا استقلالها في 25 يونيو/حزيران 1991، بالتزامن مع إعلان كرواتيا استقلالها. وبينما انتهى الصراع في سلوفينيا خلال فترة قصيرة، تحولت المواجهات في كرواتيا إلى حرب واسعة بين القوات الكرواتية من جهة، والجيش الشعبي اليوغوسلافي والقوات الصربية المحلية من جهة أخرى، واستمرت حتى عام 1995.
لكن الحرب في البوسنة والهرسك كانت أكثر تعقيداً، بسبب التركيبة السكانية المتداخلة التي جمعت البوشناق والصرب والكروات، إلى جانب مجموعات وهويات أخرى، ما جعل البلاد توصف بأنها صورة مصغرة عن يوغوسلافيا نفسها.
من التنوع إلى الحرب
كان التنوع الديني والقومي واضحاً في سراييفو قبل الحرب، حيث تتجاور المساجد والكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والمعابد اليهودية في مساحة جغرافية محدودة، بما يعكس طبيعة المجتمع البوسني المتعدد.
لكن انهيار يوغوسلافيا حوّل هذا التنوع إلى مصدر صراع سياسي وعسكري، وسط مساعٍ من قوى مختلفة لإعادة رسم خريطة البوسنة والهرسك على أسس عرقية.
وفي مارس/آذار 1991، عقد الرئيس الصربي آنذاك سلوبودان ميلوشيفيتش والرئيس الكرواتي فرانيو تودجمان اجتماعاً في كاراجورجيفو، وتحدثت روايات لاحقة عن مناقشات بشأن مستقبل البوسنة وإمكان تقسيم أراضيها بين صربيا وكرواتيا، لكن اندلاع الحروب وتصاعدها حالا دون تنفيذ أي تصور من هذا النوع.
استقلال البوسنة وبداية الحرب
أجرت البوسنة والهرسك استفتاءً على الاستقلال في 29 فبراير/شباط و1 مارس/آذار 1992، وسط مقاطعة واسعة من جانب صرب البوسنة. وبعد إعلان الاستقلال والاعتراف به دولياً، تصاعدت المواجهات المسلحة وتحولت البلاد إلى ساحة حرب متعددة الأطراف.
وشاركت في الصراع القوات الحكومية البوسنية، التي كان غالبية أفرادها من البوشناق، وقوات صرب البوسنة، والقوات الكرواتية البوسنية، إلى جانب تدخلات ودعم من صربيا وكرواتيا.
وأدى اختلاط السكان وتداخل مناطق وجود المكونات المختلفة إلى اتساع نطاق القتال والتهجير، فيما عانى البوشناق من قيود على الحصول على الأسلحة، بينما استفادت قوات صرب البوسنة من جزء كبير من ترسانة الجيش اليوغوسلافي السابق والدعم القادم من بلغراد.
التطهير العرقي وسربرنيتسا
خلفت الحرب نحو 100 ألف قتيل، وفق التقديرات المتداولة، فيما أجبر أكثر من مليوني شخص على ترك منازلهم خلال سنوات الصراع.
وشهدت الحرب عمليات قتل وتهجير قسري ومعسكرات احتجاز وانتهاكات واسعة، بلغت ذروتها في يوليو/تموز 1995 مع وقوع مجزرة سربرنيتسا، التي قُتل فيها أكثر من 8 آلاف بوشناقي، معظمهم من الرجال والفتيان، في منطقة كانت الأمم المتحدة قد أعلنتها منطقة آمنة.
وانتهت الحرب بعد تدخل دولي مكثف، قادته الولايات المتحدة في المرحلة الأخيرة، وصولاً إلى اتفاق دايتون الذي أنهى العمليات العسكرية عام 1995 وأرسى الإطار الدستوري والسياسي للدولة البوسنية الحالية.
دايتون.. نهاية الحرب وبداية التعقيد السياسي
وضع اتفاق دايتون أسس نظام سياسي يقوم على تقاسم السلطة بين المكونات الرئيسية الثلاثة في البلاد، البوشناق والكروات والصرب، مع إنشاء هيكل معقد للحكم يضم مؤسسات على المستوى المركزي ومستوى الكيانين المكونين للدولة.
وينص دستور البوسنة والهرسك على وجود كيانين رئيسيين هما اتحاد البوسنة والهرسك وجمهورية صربسكا، إلى جانب مقاطعة برتشكو ذات الوضع الخاص. كما يضم البرلمان الاتحادي مجلسين، بينما يتكون مجلس النواب على مستوى الدولة من 42 عضواً. (OHR)
ويتكون مجلس رئاسة البوسنة والهرسك من ثلاثة أعضاء، بوشناقي وكرواتي ينتخبان من اتحاد البوسنة والهرسك، وصربي ينتخب من جمهورية صربسكا. وتُجرى انتخابات هذه المناصب بصورة مباشرة وفق الترتيبات الدستورية. (OHR)
كما أن النظام السياسي يتوزع بين مستويات متعددة من الحكم، تشمل مؤسسات الدولة المركزية والكيانين والكانتونات في اتحاد البوسنة والهرسك، الأمر الذي يجعل عملية اتخاذ القرار شديدة التعقيد في كثير من الملفات.
دور الممثل السامي
ولا يقتصر النظام السياسي في البوسنة على المؤسسات المنتخبة، إذ يضطلع مكتب الممثل السامي الدولي بدور أساسي في الإشراف على تنفيذ اتفاق دايتون.
ويستند الممثل السامي إلى صلاحيات واسعة، تعرف باسم «صلاحيات بون»، تتيح له اتخاذ إجراءات تتعلق بالتشريعات والمسؤولين عندما يرى أن ذلك ضروري لتنفيذ اتفاق السلام. ويظل هذا الدور أحد أكثر الجوانب الاستثنائية في النظام السياسي البوسني بعد الحرب. (OHR)
ماذا ينتخب البوسنيون في 4 أكتوبر؟
يتوجه الناخبون في البوسنة والهرسك، اليوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في الانتخابات العامة التي تشمل عدة مستويات من الحكم.
وبحسب اللجنة المركزية للانتخابات، تشمل الانتخابات المباشرة رئاسة البوسنة والهرسك، ومجلس النواب في الجمعية البرلمانية للبوسنة والهرسك، ومجلس النواب في برلمان اتحاد البوسنة والهرسك، والجمعية الوطنية لجمهورية صربسكا، إلى جانب رئيس ونائبي رئيس جمهورية صربسكا ومجالس الكانتونات في اتحاد البوسنة والهرسك. (İzbori)
وينتخب الناخبون في اتحاد البوسنة والهرسك العضوين البوشناقي والكرواتي في مجلس الرئاسة، بينما يختار ناخبو جمهورية صربسكا العضو الصربي، وفق النظام الدستوري المعمول به. (OHR)
وهكذا، لا تقتصر الانتخابات البوسنية على اختيار قيادة سياسية واحدة، وإنما تشمل مجموعة واسعة من المؤسسات على المستوى المركزي وعلى مستوى الكيانين والكانتونات، في نظام تشكلت ملامحه الأساسية من تسوية أنهت حرباً مدمرة، لكنه لا يزال يعكس التوازنات السياسية والقومية التي طبعت تاريخ البلاد الحديث.







