القهوة والحليب والعصائر.. مشروبات قد تغيّر مفعول بعض الأدوية

قد يبدو تناول كوب من القهوة أو الحليب أو العصير أمراً روتينياً، لكن شرب بعض هذه المشروبات مع أدوية معينة قد يؤثر في كمية الدواء التي يمتصها الجسم، ما قد يؤدي إلى انخفاض فعاليته أو ارتفاع تركيزه وزيادة احتمالات ظهور آثاره الجانبية.
ولا يعني ذلك أن هذه المشروبات ضارة عند تناولها مع الأدوية بشكل عام، فالتداخلات تختلف بحسب المادة الفعالة في الدواء ونوع المشروب وكميته وتوقيت تناوله، إضافة إلى عوامل أخرى تختلف من شخص إلى آخر.
وتوضح إدارة الغذاء والدواء الأميركية أن بعض الأطعمة والمشروبات يمكن أن تؤثر في طريقة عمل الأدوية، ولذلك فإن الالتزام بالتعليمات المرفقة بالدواء يمثل جزءاً مهماً من استخدامه بصورة آمنة.
كيف تؤثر المشروبات في الأدوية؟
يقول الصيدلي بمستشفى الجفيري للتشخيص والعلاج في قطر أحمد جودة إن تداخل المشروبات مع الأدوية يمكن أن يحدث بطرق مختلفة، من بينها التأثير في امتصاص الدواء داخل الجهاز الهضمي أو تغيير نشاط الإنزيمات التي تتولى تكسيره داخل الجسم.
وقد يؤدي ذلك إلى نتيجتين مختلفتين؛ ففي بعض الحالات تصل كمية أقل من المادة الدوائية إلى مجرى الدم، فتضعف فاعلية العلاج، بينما قد يؤدي التداخل في حالات أخرى إلى ارتفاع مستوى الدواء، وبالتالي زيادة احتمال حدوث آثار جانبية.
وتصبح هذه التداخلات أكثر أهمية لدى الأشخاص الذين يستخدمون عدة أدوية في الوقت نفسه، أو يتناولون علاجات يتطلب نجاحها الحفاظ على تركيز محدد للمادة الفعالة في الدم.
الجريب فروت.. أحد أشهر التداخلات
يعد عصير الجريب فروت من أبرز الأمثلة المعروفة على تفاعل بعض المشروبات مع الأدوية.
وتشير إدارة الغذاء والدواء الأميركية إلى أن الجريب فروت يمكن أن يؤثر في إنزيم “CYP3A4” الموجود في الأمعاء، والذي يشارك في تكسير عدد من الأدوية قبل وصولها إلى الدورة الدموية.
وعندما يقل نشاط هذا الإنزيم، يمكن أن تصل كميات أكبر من بعض الأدوية إلى الدم، وهو ما قد يرفع احتمال ظهور آثارها الجانبية.
ومن بين الأدوية التي يمكن أن تتأثر بالجريب فروت بعض علاجات خفض الكوليسترول وضغط الدم، وبعض الأدوية المثبطة للمناعة المستخدمة بعد عمليات زراعة الأعضاء، إضافة إلى أدوية معينة لعلاج اضطرابات نظم القلب والقلق.
لكن هذا التفاعل لا ينطبق على جميع الأدوية المنتمية إلى هذه الفئات، ولذلك لا يمكن تعميم التحذير على كل أدوية ضغط الدم أو الكوليسترول.
ويؤكد أحمد جودة أن دواءين يستخدمان لعلاج الحالة المرضية نفسها قد يختلفان في طريقة تفاعلهما مع المشروب، ولهذا يجب التركيز على المادة الفعالة في الدواء وليس على تصنيفه العلاجي فقط.
وأظهرت دراسة منشورة في مجلة “Clinical Pharmacology & Therapeutics” أن تأثير تناول كميات كبيرة من عصير الجريب فروت على دواء سيمفاستاتين يمكن أن يستمر حتى عند تناول الدواء بعد 24 ساعة، ما يشير إلى أن الفصل بين المشروب والدواء لبضع ساعات لا يكون كافياً بالضرورة في جميع الحالات.
عصائر الفاكهة قد تقلل امتصاص بعض الأدوية
لا يؤدي تناول العصير دائماً إلى زيادة تركيز الدواء في الدم، إذ يمكن لبعض العصائر أن تفعل العكس وتحد من كمية الدواء التي يمتصها الجسم.
وتشير إدارة الغذاء والدواء الأميركية إلى أن عصائر الجريب فروت والبرتقال والتفاح قد تقلل امتصاص دواء الحساسية فيكسوفينادين من الجهاز الهضمي.
ولهذا تنص تعليمات الدواء على تناوله مع الماء بدلاً من عصائر الفاكهة.
ويظهر من هذا المثال أن التداخل بين المشروبات والأدوية ليس له اتجاه واحد، فقد يؤدي المشروب إلى رفع مستوى مادة دوائية معينة في الدم، بينما يخفض امتصاص مادة أخرى.
الحليب والكالسيوم وتأثيرهما في بعض الأدوية
لا يعد الحليب خياراً مناسباً مع جميع الأدوية، إذ يمكن للكالسيوم الموجود في الحليب ومنتجات الألبان أن يرتبط ببعض المواد الدوائية داخل الجهاز الهضمي، مما يحد من امتصاصها.
ومن الأمثلة المعروفة بعض المضادات الحيوية من عائلة التتراسيكلينات، التي يمكن أن يتراجع امتصاصها عند تناولها مع الحليب أو منتجات الألبان، الأمر الذي قد يؤثر في فاعليتها.
وتبرز أهمية هذا التداخل لأن بعض أدوية هذه العائلة تستخدم لعلاج حالات شائعة، من بينها حب الشباب. كما يمكن أن يتأثر امتصاص المضاد الحيوي سيبروفلوكساسين عند تناوله مباشرة مع الحليب أو منتجات الألبان.
وتوصي خدمة الصحة الوطنية البريطانية بالفصل لمدة ساعتين على الأقل بين تناول سيبروفلوكساسين ومنتجات الألبان أو المشروبات المدعمة بالكالسيوم عند تناول هذه المنتجات بشكل منفصل، مع التأكيد على أن هذا التحذير لا ينطبق بالطريقة نفسها على جميع المضادات الحيوية.
القهوة ودواء الغدة الدرقية
تعد القهوة مثالاً آخر على مشروب يمكن أن يؤثر في امتصاص بعض الأدوية، ومن أبرزها ليفوثيروكسين المستخدم لعلاج قصور الغدة الدرقية.
وأشارت مراجعة منهجية نشرتها مجلة “Pharmaceuticals” عام 2021 إلى أن القهوة، إلى جانب الكالسيوم والحديد وبعض الأطعمة والمكملات، يمكن أن تقلل امتصاص ليفوثيروكسين.
كما وجدت دراسة نشرتها مجلة “Thyroid” أن تناول أقراص الدواء مع القهوة أدى إلى انخفاض امتصاصها مقارنة بتناولها مع الماء، بينما تراجع هذا التأثير عندما تم تناول القهوة بعد مرور 60 دقيقة.
ويؤكد ذلك أهمية الالتزام بتعليمات تناول الدواء والتوقيت المحدد له، حتى عندما يتعلق الأمر بمشروب يومي شائع مثل القهوة.
هل يزيد الشاي والليمون مفعول “البنادول الأخضر”؟
من الوصفات المنزلية المتداولة تناول ما يعرف شعبياً باسم “البنادول الأخضر”، أي “بنادول كولد آند فلو”، مع الشاي والليمون عند الإصابة بأعراض الزكام، انطلاقاً من اعتقاد بأن المشروب يمكن أن يعزز مفعول الدواء.
لكن فعالية الدواء لا ينبغي أن تعتمد على وصفات منزلية غير موثقة، كما أن مكونات أدوية البرد تختلف بين منتج وآخر، ما يجعل التعامل معها على أساس اسم تجاري أو لون العبوة وحده غير كافٍ.
والقاعدة الأكثر أماناً هي تناول الدواء وفق النشرة المرفقة به أو تعليمات الطبيب والصيدلي، وعدم افتراض أن مشروباً معيناً سيزيد مفعوله أو يحسن امتصاصه من دون وجود دليل واضح على ذلك.
وبشكل عام، لا ينبغي اعتبار الماء مجرد خيار ثانوي عند تناول الأدوية؛ ففي كثير من الحالات يكون هو المشروب الموصى به لتجنب التداخلات غير المرغوبة. وإذا كان الدواء يتطلب تجنب مشروب أو طعام معين، فمن المهم الالتزام بالفاصل الزمني المحدد في النشرة أو من قبل الطبيب أو الصيدلي، لأن مدة الفصل المطلوبة تختلف من دواء إلى آخر.







