الصحة الواحدة.. رؤية متكاملة لمواجهة الأوبئة وحماية الإنسان والبيئة

تتواصل الأزمات الصحية العالمية، وتنتشر الأوبئة الفتاكة عبر القارات بوتيرة متسارعة، ليجد العالم نفسه أمام تساؤلات تتجاوز حدود الطب التقليدي ومفهوم العلاج القائم على التعامل مع الأعراض وحدها.
ولم يعد السؤال المطروح في أروقة المنظمات الدولية والمراكز البحثية مقتصرا على معرفة الأصول الجينية للفيروسات والبكتيريا، بل امتد إلى البحث في الأسباب التي تتيح للأمراض الحيوانية المنشأ اختراق المجتمعات البشرية والانتشار بينها بهذه السرعة والضراوة.
وتؤكد بيانات المنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH) ومنظمة الصحة العالمية أن ما لا يقل عن 60% من الأمراض المعدية التي تصيب البشر تعود أصولها إلى الحيوانات، فيما تشير التقديرات إلى أن نحو 75% من الأمراض الحيوانية الجديدة أو الناشئة التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الماضية انتقلت من الحيوانات إلى الإنسان.
ولم يعد ممكنا التعامل مع الجوائح والأزمات الصحية باعتبارها أحداثا بيولوجية منفصلة عن محيطها البيئي والاجتماعي، بل باتت الحاجة ملحة إلى تبني رؤية شاملة تعيد الاعتبار إلى الترابط بين الإنسان والطبيعة، وتضع صحة البشر والحيوانات والبيئة ضمن منظومة واحدة.
وتكشف التجارب الصحية السابقة حجم التحدي، بدءا من فيروس نقص المناعة البشرية المسبب للإيدز، الذي تجاوز عدد الوفيات المرتبطة به 40.1 مليون شخص منذ اكتشافه، وفقا لإحصاءات برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بالإيدز (UNAIDS)، مرورا بجائحة كورونا التي أودت بحياة أكثر من 7 ملايين شخص وفق الأرقام الرسمية لمنظمة الصحة العالمية، وتسببت في خسائر للاقتصاد العالمي تجاوزت 12 تريليون دولار بحسب تقديرات البنك الدولي.
كما تشمل التهديدات الصحية تفشي فيروسات إيبولا وماربورغ وإنفلونزا الطيور (H5N1)، إلى جانب مخاطر وبائية أخرى لا تزال قائمة في البيئات الطبيعية.
وفي خضم هذه التحديات، تبرز المنطقة العربية وشمال أفريقيا بوصفها من المناطق التي تتقاطع فيها الأزمات البيئية والصحية والسياسية، الأمر الذي يزيد من تعقيد الاستجابة للتهديدات الوبائية.
مفهوم الصحة الواحدة.. ضرورة علمية وأخلاقية
من هنا تبرز أهمية مفهوم “الصحة الواحدة” (One Health)، الذي لا يقتصر على كونه نهجا علميا حديثا تتبناه أربع هيئات دولية، هي منظمة الصحة العالمية (WHO)، ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان (WOAH)، بل يمثل أيضا ضرورة أخلاقية وفلسفية تفرض إعادة النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة.
ويقوم هذا المفهوم على إدراك الترابط الوثيق بين صحة الإنسان والحيوان والأنظمة البيئية، بما يستدعي تنسيق الجهود بين القطاعات المختلفة للوقاية من الأمراض ومواجهة الأوبئة قبل انتشارها.
التطور الفلسفي والأنثروبولوجي لمفهوم الصحة الواحدة
قبل أن يتحول مفهوم “الصحة الواحدة” إلى استراتيجية دولية للوقاية من الجوائح، كانت مبادئه حاضرة في جوانب من الفكر الإنساني القديم والطب العربي الإسلامي، الذي تعامل مع صحة الإنسان باعتبارها جزءا من منظومة بيئية واجتماعية أوسع.
ففي التراث الطبي والفلسفي لدى ابن سينا، صاحب كتاب “القانون في الطب”، وابن خلدون في “المقدمة”، وأحمد بن الجزار القيرواني في مؤلفاته المتعلقة بطب الأطفال وطب الفقراء، لم يكن الجسد البشري يُنظر إليه باعتباره كيانا منفصلا عن محيطه، بل بوصفه متأثرا بعوامل متعددة، من بينها الهواء والمياه والبيئة الجغرافية والتغيرات المناخية.
وسادت في تلك المرحلة رؤية شمولية للصحة، تقوم على التوازن بين الجسم البشري والعوامل المحيطة به. وكان الأطباء يدركون أن اضطراب البيئة التي تعيش فيها الكائنات، سواء كانت حيوانات أو نباتات، يمكن أن ينعكس على صحة الإنسان والمجتمع.
لكن هذه النظرة تعرضت لتحولات كبيرة مع الثورة الصناعية في الغرب، وصعود الأنماط الاقتصادية الرأسمالية، إذ تحولت الطبيعة تدريجيا من محيط حيوي متكامل إلى مصدر للمواد الخام ووسيلة لتحقيق الأرباح.
وامتد هذا التحول إلى التعامل مع الحيوانات، التي باتت تُختزل في كثير من أنماط الإنتاج الصناعي إلى وحدات إنتاجية، تُربى بأعداد كبيرة داخل مزارع التسمين المكتظة، بعيدا عن التوازنات البيئية التي كانت تحكم وجودها الطبيعي.
ووفقا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أدت الأنشطة البشرية إلى تغيير أكثر من 75% من البيئات البرية و60% من البيئات البحرية على مستوى العالم.
كما تتسبب عمليات إزالة الغابات وتدهور الواحات وتقلص المناطق الطبيعية العازلة في فقدان أكثر من 10 ملايين هكتار من الغابات سنويا حول العالم.
وأدى تدمير هذه البيئات إلى تقليص المسافات الفاصلة بين الحيوانات البرية والتجمعات البشرية، ما زاد فرص انتقال مسببات الأمراض من الحيوانات إلى الإنسان، وهي الظاهرة المعروفة باسم “القفز بين الأنواع” (Spillover).
وتشير تقديرات إلى أن معدلات انتقال الممرضات غير المعروفة ارتفعت بأكثر من 31% مقارنة بالمناطق التي حافظت على استقرارها البيئي.
وبذلك، لا يمكن النظر إلى انتقال الفيروسات ومسببات الأمراض من الحيوانات البرية إلى البشر باعتباره مجرد مصادفة بيولوجية، إذ يرتبط في كثير من الحالات بالتغيرات التي أحدثها النشاط البشري في النظم الطبيعية، وما نتج عنها من تراجع للحواجز البيئية التي تشكلت على مدى ملايين السنين.
واقع المنطقة العربية.. هشاشة بيئية وصحية متداخلة
عند تطبيق مفهوم الصحة الواحدة على واقع المنطقة العربية وشمال أفريقيا، تظهر مجموعة من التحديات المعقدة، التي تتداخل فيها العوامل البيئية مع الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
وتُعد المنطقة من أكثر مناطق العالم تأثرا بالتغيرات المناخية والضغوط المائية. ووفقا لتقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، تسجل المنطقة ارتفاعا في درجات الحرارة يصل إلى ضعف المتوسط العالمي، كما تضم 18 دولة من بين أكثر 20 دولة في العالم معاناة من الإجهاد المائي الشديد.
وتواجه مساحات واسعة من الأراضي العربية أيضا مخاطر التصحر والجفاف، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 73% من مساحة المنطقة تعاني من التصحر بدرجات متوسطة أو شديدة، ما يهدد أنظمة بيئية مهمة، من بينها واحات جنوب تونس والجزائر والمغرب، والأغوار والمناطق الزراعية الخصبة في الأردن والعراق وسوريا ومصر.
ويؤدي تراجع الغطاء النباتي وانحسار الواحات إلى دفع الحيوانات البرية والقوارض والحشرات الناقلة للأمراض، مثل أنواع البعوض التابعة لجنسي Aedes وAnopheles، نحو التجمعات السكانية بحثا عن المياه والغذاء، الأمر الذي يزيد فرص الاحتكاك المباشر بين الإنسان والحيوان، ويوسع نطاق انتقال مسببات الأمراض.
وتزداد المخاطر مع تفاقم أزمة المياه الصالحة للشرب، إذ يقدر المجلس العربي للمياه أن أكثر من 50 مليون شخص في العالم العربي يفتقرون إلى مياه شرب نظيفة وآمنة.
وفي المناطق التي تعاني شحا مائيا، تضطر بعض المجتمعات إلى الاعتماد على مصادر مياه مشتركة أو ملوثة، قد تستخدمها الماشية والحيوانات الضالة أيضا، ما يرفع احتمالات انتشار الأمراض المنقولة بالمياه، مثل الكوليرا، إلى جانب العدوى الطفيلية.
وقد شهدت دول مثل اليمن وسوريا والسودان تسجيل عشرات الآلاف من حالات الإصابة بالكوليرا، في مؤشر على خطورة تداخل أزمات المياه والصحة العامة.
مقاومة مضادات الميكروبات.. تهديد متصاعد
إلى جانب الضغوط البيئية والمائية، تواجه المنطقة نمطا استهلاكيا وإنتاجيا يجمع بين الاستنزاف المفرط للمراعي الهشة نتيجة الرعي الجائر، والاعتماد المتزايد على سلاسل الإمداد العالمية للحوم، ومزارع الدواجن والماشية المكثفة.
وفي هذا السياق، تبرز مقاومة مضادات الميكروبات (AMR) باعتبارها واحدة من أخطر التحديات الصحية، رغم أنها لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بالأوبئة الأكثر انتشارا.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة إلى أن ما بين 70% و80% من إجمالي المبيعات العالمية للمضادات الحيوية يُستخدم في القطاع الحيواني، وليس في علاج البشر، حيث تُستعمل هذه الأدوية في كثير من الأحيان لتحفيز النمو أو الوقاية من الأمراض المرتبطة بالاكتظاظ داخل المزارع.
وفي المنطقة العربية، تكشف دراسات ميدانية عن ارتفاع مقلق في معدلات مقاومة الميكروبات للأدوية المستخدمة في الخطين العلاجيين الأول والثاني، سواء في العينات الحيوانية أو المنتجات الغذائية.
وتشير تقارير علمية صادرة عن تحالف “الصحة الواحدة” إلى أن مقاومة مضادات الميكروبات تتسبب حاليا في وفاة نحو 1.27 مليون شخص سنويا بصورة مباشرة حول العالم، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 10 ملايين وفاة سنويا بحلول عام 2050 إذا لم تُتخذ إجراءات فعالة للحد من الظاهرة.
ومن المتوقع أن تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين المناطق الأكثر تأثرا بالتداعيات الصحية والاقتصادية لهذه الأزمة.
ولا تقتصر مصادر الخطر على المزارع وسلاسل الإنتاج الغذائي، إذ تمثل الأسواق الشعبية والعشوائية لبيع الماشية وذبحها داخل المدن المكتظة بيئات مناسبة لانتقال مسببات الأمراض، خصوصا خلال المواسم والمناسبات الدينية.
وتتضاعف هذه المخاطر في ظل ضعف الرقابة البيطرية، وانتشار عمليات الذبح والبيع في مواقع غير خاضعة للإشراف الصحي، ما يجعل تعزيز الرقابة وتطبيق معايير السلامة البيطرية والغذائية جزءا أساسيا من أي استراتيجية فعالة لحماية الصحة العامة.







