جراحة التجميل والحروق في غزة.. وفيات تصل إلى 70% ونقص حاد في الأطباء والمستلزمات

ما تزال ذاكرة الطبيب بسام المصري، رئيس قسم جراحة التجميل والحروق في مجمع الشفاء الطبي بقطاع غزة، مثقلة بمشاهد الحرب، حين كانت المستشفيات تستقبل مئات الجرحى في دفعات متتالية، بإصابات تفوق في حجمها وتعقيدها ما اعتاد الأطباء التعامل معه.
كانت الحروق الواسعة والجروح العميقة وإصابات الأطراف تصل إلى أقسام الطوارئ وسط نقص حاد في الكوادر الطبية والمستلزمات، ولم يكن أمام الأطباء سوى العمل بالإمكانات المتاحة، في محاولة لإنقاذ أكبر عدد ممكن من المصابين.
وفي تلك الظروف، لم تعد جراحة التجميل والترميم تخصصا يقتصر على تحسين المظهر أو معالجة آثار الإصابات بعد استقرار الحالة، بل أصبحت جزءا أساسيا من الرعاية المنقذة للحياة، خصوصا في حالات الحروق الشديدة وإصابات الأطراف التي تؤدي إلى انكشاف العظام والأوتار.
ويؤكد المصري أن كثيرا من هذه الإصابات يتطلب تدخلا مبكرا لتغطية الأنسجة وحماية العظام، والحد من الالتهابات والمضاعفات التي قد تنتهي بالبتر أو الوفاة.
لكن القدرة على إجراء هذه العمليات تراجعت مع استمرار الحرب، نتيجة نقص الأطباء المتخصصين، وتعطل المستشفيات، وشح المطهرات ومستلزمات مكافحة العدوى والمضادات الحيوية، فضلا عن صعوبة توفير الأدوات الجراحية الدقيقة والمستهلكات الطبية الأساسية.
وفيات الحروق ترتفع من 3% إلى نحو 70%
يستعيد المصري واقع تخصص جراحة التجميل والترميم في غزة قبل الحرب، موضحا أن عدد الأطباء العاملين فيه كان يتراوح بين 8 و12 طبيبا، رغم أن القطاع لم يكن يمتلك، بحسب وصفه، بنية تدريبية مكتملة بالمستوى الذي كان يطمح إليه العاملون في المجال.
ومع اندلاع الحرب قبل نحو 3 سنوات، وانقطاع الطرق بين شمال القطاع وجنوبه، وخروج مستشفيات عن الخدمة، تراجع عدد الأطباء القادرين على العمل في مستشفيات الشمال إلى نحو 3 أو 4 أطباء، وفق تقديراته.
وأصبح على هذه المجموعة المحدودة التعامل مع أعداد كبيرة من المصابين، في وقت تجاوزت فيه الاحتياجات الطبية بكثير الإمكانات المتاحة.
ويقول المصري إن معدل الوفيات بين المصابين بالحروق الشديدة، التي تغطي ما بين 20% و30% من مساحة الجسم، ارتفع خلال الحرب إلى نحو 70%، بعدما كان لا يتجاوز 3% قبلها.
ويضيف أن مئات المصابين الذين نجوا من القصف والإصابات الأولية توفوا لاحقا بسبب مضاعفات الجروح والالتهابات، مشيرا إلى أن الأطفال كانوا من بين أكثر الفئات هشاشة، إذ وصل بعضهم إلى المستشفيات مصابين بجروح بالغة بعد فقدان أفراد من عائلاتهم.
ويقدّر المصري أن ما بين 30% و50% من الإصابات خلال الحرب احتاجت، بدرجات متفاوتة، إلى تدخل متخصص في جراحة التجميل والترميم، وشملت نسبة كبيرة منها حروقا شديدة وإصابات في الأطراف تسببت في انكشاف العظام والأنسجة العميقة.
ويوضح أن ترك هذه الإصابات من دون تغطية وترميم مبكرين يزيد خطر الالتهابات وتلف العظام، وقد يجعل البتر ضروريا أو يرفع احتمالات الوفاة.
ويشير إلى أن التدخل الجراحي خلال الساعات الأولى، وفي بعض الحالات خلال أول 48 ساعة، قد يكون حاسما في منع هذه المضاعفات وتحسين فرص النجاة.
لكن هذا التدخل لم يكن متاحا دائما، إذ تضاف إلى نقص الأطباء المتخصصين عوامل أخرى تؤثر في فرص التعافي، من بينها سوء التغذية، وضعف إجراءات مكافحة العدوى، ونقص الأطباء النفسيين، وشح المضادات الحيوية والمستلزمات الأساسية، مثل الشاش والمطهرات.
ولم تقتصر الخسائر على نقص المعدات والموارد، فقد تعرض عاملون في القطاع الصحي للاعتقال وظروف احتجاز قاسية، كما قُتل عدد من أطباء جراحة التجميل والترميم، من بينهم الطبيبان محمد المقادمة ومدحت صيدم.
وأدى فقدان هؤلاء الأطباء وغيرهم إلى اتساع الفجوة بين حجم الاحتياجات الطبية وعدد المتخصصين القادرين على تلبيتها.
اعتقال بسام المصري داخل مجمع الشفاء
لم يسلم المصري نفسه من الاعتقال والتعذيب، إذ يروي للجزيرة نت تفاصيل فترة اعتقاله التي بدأت في مارس/آذار 2024، بينما كان يؤدي عمله داخل مجمع الشفاء الطبي.
ويقول إن احتجازه استمر 47 يوما، تعرض خلالها، إلى جانب زملائه، لسوء المعاملة وظروف قاسية، شملت تغطية أعين المعتقلين وتقييد أيديهم طوال فترة الاحتجاز، حتى أثناء تناول الطعام أو الذهاب إلى دورات المياه.
كما حُرم من النوم، وتعرض للترهيب عبر إطلاق الكلاب ليلا واستخدام القنابل الصوتية، في تجربة يصفها بأنها كانت مليئة بالعذاب والمعاناة.
محاولات لاستعادة الخدمات الطبية
مع فترات التهدئة والتحسن النسبي في الظروف، بدأ الأطباء العمل على استعادة بعض الخدمات الطبية التي توقفت خلال الحرب، ووضعوا العمليات الدقيقة للأطفال ضمن أولوياتهم، بما فيها جراحات شق الحنك والشفة الأرنبية، التي تعطلت خلال فترات الحرب الطويلة.
وفي مجمع الشفاء الطبي، انطلقت جهود لإعادة تأهيل هذه الخدمات، بالتوازي مع الاستعداد لإعادة افتتاح قسم الحروق وترميمه، بعدما كان قبل الحرب من الوحدات الرئيسية المتخصصة في هذا المجال على مستوى فلسطين، قبل أن يتعرض للتدمير خلال الحرب.
لكن استعادة عمل الأقسام الطبية لا تعني انتهاء أزمة الكوادر، إذ أدت الحرب إلى فقدان أطباء ومغادرة آخرين، في حين يتطلب إعداد اختصاصيين جدد سنوات من التدريب والتأهيل.
وتبقى إعادة بناء القدرات الطبية في جراحة الحروق والترميم تحديا كبيرا، في ظل اتساع الاحتياجات العلاجية واستمرار النقص في الكفاءات والإمكانات اللازمة لتقديم الرعاية للجرحى.







