تقنية

إنفاق تريليوني على الذكاء الاصطناعي.. أين تذهب أموال عمالقة التقنية؟

شهدت الأسابيع الماضية تحذيرات متزايدة من كبرى شركات الذكاء الاصطناعي بشأن المخاطر المرتبطة بالتقنية، وضرورة إبطاء تطوير النماذج وتعزيز الرقابة على استخدامها. وتتقدم شركة أنثروبيك الأمريكية هذه الدعوات على لسان رئيسها التنفيذي داريو أمودي، لكنها في الوقت نفسه تواصل خططها لطرح أسهمها في البورصة بتقييم قد يصل إلى تريليوني دولار، وفق تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

ويستند التقييم المرتفع للشركة إلى عوامل عدة، أبرزها الإيرادات المتوقعة وحجم الاستثمارات اللازمة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتشير التقديرات الواردة في التقارير إلى أن إيراداتها قد تتجاوز 100 مليار دولار بنهاية العام الجاري.

ولا تقتصر التقييمات الضخمة على أنثروبيك، إذ يُتوقع أن تصل قيمة شركة أوبن إيه آي عند طرح أسهمها إلى نحو 1.4 تريليون دولار، بحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ.

وتبرز نفقات تطوير الذكاء الاصطناعي بوصفها أحد العوامل الرئيسية وراء هذه التقييمات، إذ تخطط الشركات لضخ مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والموارد الحاسوبية خلال السنوات المقبلة.

ووفقا لتقرير لوكالة رويترز، تتوقع أنثروبيك إنفاق نحو 518 مليار دولار على الحوسبة السحابية خلال العقد المقبل، في حين تشير تقديرات أوبن إيه آي إلى إنفاق نحو 860 مليار دولار حتى عام 2030.

وتثير هذه الأرقام سؤالا أساسيا: أين تذهب كل هذه الأموال، وما الذي تحصل عليه شركات الذكاء الاصطناعي مقابل هذه الاستثمارات الضخمة؟

الشركات تكشف عن نفقاتها أمام المستثمرين

لا تزال أنثروبيك وأوبن إيه آي شركتين خاصتين، وهو ما يمنحهما مرونة أكبر في عدم الكشف عن تفاصيل إنفاقهما مقارنة بالشركات المدرجة في البورصة، مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل.

وتقدم الشركات المدرجة معلومات عن نفقاتها خلال المكالمات المخصصة لإعلان النتائج المالية، ما يتيح للمستثمرين الاطلاع على حجم الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ويوفر مؤشرات تساعد على فهم طبيعة الإنفاق لدى بقية الشركات العاملة في القطاع.

وخلال مكالمة إعلان نتائج الربع الثاني من عام 2026، أوضحت أنات أشكنازي، المديرة المالية لشركة ألفابت المالكة لغوغل، أن الشركة تتوقع إنفاق نحو 190 مليار دولار خلال العام على الاستثمارات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وبحسب تفاصيل المكالمة المنشورة على موقع «ستوك أناليسيس»، تتوزع نفقات البنية التحتية بين الخوادم، التي تستحوذ على نحو 60% من الإنفاق، ومباني مراكز البيانات ومعدات الشبكات، التي تمثل النسبة المتبقية البالغة 40%.

أما مايكروسوفت، فتشير بيانات نتائجها المالية للربع الرابع من السنة المالية 2026 إلى أن نحو ثلثي إنفاقها الرأسمالي يذهب إلى الموارد قصيرة العمر، وفي مقدمتها المعالجات والبطاقات الرسومية اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وبلغ الإنفاق على هذا النوع من الموارد نحو 41 مليار دولار خلال الربع الرابع من السنة المالية، وفقا لما ذكرته المديرة المالية للشركة إيمي هود.

وتحتاج هذه المكونات إلى الاستبدال والتحديث بصورة دورية مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وارتفاع متطلباتها الحاسوبية، ما يعني أن الشركات ستضطر إلى مواصلة الإنفاق للحفاظ على كفاءة مراكز البيانات وتلبية الطلب المتزايد.

كما تواجه الشركات ضغوطا إضافية نتيجة ارتفاع أسعار بعض المكونات، بما فيها الذاكرة والمعالجات، وهو ما يزيد تكلفة تحديث البنية التحتية.

من جانبها، رفعت أمازون توقعاتها للإنفاق النقدي خلال عام 2026 إلى نحو 220 مليار دولار، وفق تصريحات رئيسها التنفيذي آندي جاسي خلال مكالمة إعلان النتائج المالية للربع الثاني من العام.

3 تريليونات دولار لمراكز البيانات والرقائق

كشف تقرير نشرته وكالة أكسيوس أن سبع شركات كبرى، هي غوغل وميتا وأمازون ومايكروسوفت وأوراكل وإنفيديا وبرودكوم، التزمت بإنفاق نحو 3 تريليونات دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وفق تقديرات التقرير.

وينقسم الجزء الأكبر من هذه الالتزامات إلى بندين رئيسيين، أولهما استئجار مراكز البيانات التي لم تدخل الخدمة بعد، بقيمة تقدر بنحو 1.1 تريليون دولار. وتبدأ بعض عقود الإيجار قبل اكتمال بناء المراكز وتجهيزها للتشغيل، ما يفرض على الشركات التزامات مالية تسبق بدء الاستفادة التشغيلية منها.

أما البند الثاني، فتبلغ قيمته نحو 1.7 تريليون دولار، ويشمل التزامات شراء الرقائق وشرائح الذاكرة ومعدات الشبكات اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولا يشمل هذا التقدير جميع التكاليف المرتبطة بتشغيل مراكز البيانات، مثل أنظمة تبريد المعالجات، والكهرباء اللازمة لتشغيل المعدات، وأجور العاملين والمهارات الفنية المطلوبة لإدارة هذه المنشآت.

وبذلك، فإن حجم الالتزامات المعلنة لا يعكس بالضرورة التكلفة النهائية الكاملة لبناء منظومة الذكاء الاصطناعي وتشغيلها على المدى الطويل.

طلب متزايد يتجاوز قدرة الشركات

تكشف تصريحات مسؤولي الشركات خلال المكالمات المالية عن تحدٍ آخر يتجاوز حجم الإنفاق نفسه، يتمثل في صعوبة بناء مراكز البيانات وتوفير الموارد الحاسوبية بالسرعة الكافية لمواكبة الطلب المتزايد.

وأوضح رئيس أمازون التنفيذي آندي جاسي أن إنشاء مراكز البيانات وتجهيزها يحتاجان إلى وقت طويل، في حين تبدأ الشركات بتحمل نفقات البناء والتجهيز قبل دخول المنشآت الخدمة وتحقيق الإيرادات.

ويؤدي هذا الفارق الزمني إلى فجوة بين الطلب على خدمات الحوسبة والقدرة الفعلية على توفيرها، حتى عندما تكون الشركات مستعدة لضخ استثمارات ضخمة.

وأشار جاسي إلى أن أمازون سجلت طلبا قويا على خدمات مراكز البيانات يمتد حتى عام 2028، رغم توقعات الشركة بعدم قدرتها على تلبية كامل الطلب خلال عامي 2026 و2027.

وتوضح هذه المؤشرات أن التوسع في الذكاء الاصطناعي لا يعتمد على التمويل وحده، بل يرتبط أيضا بقدرة الشركات على بناء المنشآت وتأمين الرقائق ومعدات الشبكات والطاقة اللازمة لتشغيلها.

ومع استمرار الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي، تواجه الشركات معادلة صعبة تتمثل في ضرورة مواصلة الاستثمار لتوسيع قدراتها، مع تحمل تكاليف ضخمة تسبق في كثير من الأحيان تحقيق العوائد المتوقعة.

زر الذهاب إلى الأعلى