اقتصاد

أفغانستان تراهن على استثمار سعودي واسع لتطوير الغاز وبناء ممر إقليمي للطاقة

تسعى الحكومة الأفغانية إلى استثمار اتفاق جديد مع شركة “دلتا إنترناشيونال” السعودية لتطوير موارد الغاز المحلية وجذب استثمارات طويلة الأجل إلى قطاع الطاقة، في محاولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على واردات الطاقة.

ووقعت وزارة المناجم والبترول الأفغانية في 7 سبتمبر/أيلول 2026 اتفاقا مع الشركة السعودية لاستكشاف الغاز واستخراجه في حوض كوشك-تيربل الواقع بين ولايتي هرات وبادغيس غربي البلاد، باستثمار أولي يبلغ 200 مليون دولار.

ويشمل الاتفاق 7 بلوكات ضمن الحوض، الذي تبلغ مساحته نحو 22 ألف كيلومتر مربع، فيما تستمر مرحلة الاستكشاف لمدة 8 سنوات، ضمن عقد تصل مدته الإجمالية إلى 25 عاما.

وجرت مراسم التوقيع في العاصمة كابل بحضور مسؤولين أفغان، من بينهم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر ووزير المناجم والبترول هداية الله بدري، إلى جانب الرئيس التنفيذي لشركة “دلتا” شاهر التقي، والمبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان زلماي خليل زاد.

الغاز في صدارة الاستثمارات

قال وزير المناجم والبترول الأفغاني هداية الله بدري إن الجزء الأكبر من الموارد المحتملة في حوض كوشك-تيربل يتمثل في الغاز، مشيرا إلى أن عمليات الاستكشاف والإنتاج يمكن أن تساعد في توفير جزء من احتياجات البلاد من الطاقة.

وتنظر الحكومة إلى الاتفاق باعتباره جزءا من جهودها لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى قطاع الموارد الطبيعية، مع التركيز على تحديد الاحتياطيات وتقييمها وتطويرها وفق أسس فنية، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة.

وسبقت توقيع الاتفاق سلسلة من المناقشات الفنية والاستثمارية بين الجانبين، تناولت مراحل البحث والتقييم والاستخراج. وقال شاهر التقي إن المفاوضات اتسمت بالإيجابية، وإن الشركة مستعدة لمواصلة الاستثمار في أفغانستان بعد استكمال المتطلبات والإجراءات اللازمة.

ووصف التقي الاتفاق بأنه خطوة باتجاه توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين السعودية وأفغانستان، مع إمكانية تطوير مشروعات أخرى في قطاع الطاقة مستقبلا.

خطة لاستخدام الغاز داخل أفغانستان

لا تقتصر رؤية شركة “دلتا” على استخراج الغاز، إذ تتضمن الخطط بحث سبل استخدامه داخل أفغانستان، خصوصا في ولاية هرات، بما يشمل المنطقة الصناعية ومدينة هرات ومواقع أخرى تحددها السلطات.

ويمكن للغاز المكتشف أن يدخل في تشغيل المنشآت الصناعية وتوليد الكهرباء وتلبية احتياجات أخرى من الطاقة، وهو ما قد يساعد على تحويل الموارد الطبيعية إلى عنصر داعم للنشاط الاقتصادي المحلي.

ويرى رئيس مجلس إدارة مجموعة “دلتا” والرئيس التنفيذي لها، بدر بن محمد العيبان، أن المشروع يتجاوز فكرة التنقيب عن النفط والغاز وإنتاجهما، ويتجه نحو تأسيس منظومة متكاملة للطاقة يمكن أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد الأفغاني والمنطقة المحيطة.

وتأمل وزارة المناجم والبترول أن يؤدي تطوير موارد الغاز المحلية إلى دعم القطاعات الصناعية والاقتصادية وتوفير مصادر إضافية لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.

خط أنابيب بطول 700 كيلومتر

ومن بين المشاريع التي تدرسها الشركة إنشاء خط أنابيب للغاز يبلغ طوله نحو 700 كيلومتر، يبدأ من منطقة قريبة من غوزرة في هرات ويمتد باتجاه منطقة قرب سبين بولدك في ولاية قندهار على الحدود مع باكستان.

وتحمل الخطة اسم “سنت غاز – ممر الازدهار”، وقدرت الشركة الاستثمارات المحتملة المرتبطة بها بنحو 10 مليارات دولار على مدى 10 سنوات.

لكن تنفيذ خط الأنابيب لم يحسم بعد، إذ يرتبط بالنتائج التي ستكشف عنها عمليات الاستكشاف، ومدى الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروع، إضافة إلى تأمين التمويل والحصول على الموافقات المطلوبة.

وتشمل الدراسات المرتبطة بالمشروع تطوير البنية التحتية اللازمة لنقل الغاز، وتوسيع استخدامه داخل أفغانستان، وربط الموارد المحلية بمشروعات الطاقة والأسواق الإقليمية.

طموحات استثمارية بمليارات الدولارات

وتتجاوز الخطط المعلنة حجم الاستثمار الأولي البالغ 200 مليون دولار بكثير، إذ تتحدث شركة “دلتا” عن برنامج أوسع يمكن أن تصل استثماراته إلى نحو 60 مليار دولار خلال 10 سنوات.

كما أشارت الشركة في بيان آخر إلى إمكانية ضخ نحو 50 مليار دولار على مدى 25 عاما، إلا أن هذه الأرقام تظل تقديرات مستقبلية وليست التزامات استثمارية نهائية.

وترتبط إمكانية الوصول إلى هذه المستويات الاستثمارية بنتائج أعمال الاستكشاف وتقييم حجم الاحتياطيات، ومدى قابلية الموارد المكتشفة للتطوير التجاري، إلى جانب الجدوى الاقتصادية والفنية وتوافر التمويل والحصول على الموافقات اللازمة.

وتتضمن المرحلة الأولى أعمال المسح الجيولوجي والجيوفيزيائي، وإجراء المسوحات الزلزالية، وحفر آبار استكشافية، وتقييم المكامن، بالتوازي مع دراسة مشروعات استخدام الغاز وتطوير البنية التحتية لنقله.

مفاوضات بدأت قبل عام

وجاء توقيع الاتفاق بعد مفاوضات استمرت أكثر من عام بين الحكومة الأفغانية وشركة “دلتا”، وبدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما ناقش الملا عبد الغني برادر مع الرئيس التنفيذي للشركة شاهر التقي، وبحضور زلماي خليل زاد، فرص استكشاف الغاز وإنتاجه وإمكانية تطوير شبكات لنقله.

وأبدت الشركة السعودية خلال تلك المرحلة اهتماما بالاستثمار في قطاع النفط والغاز الأفغاني، إلى جانب نقل الخبرات وتبادل المعرفة الفنية مع المهندسين والعاملين الأفغان.

وتكثفت المباحثات خلال سبتمبر/أيلول 2026، وصولا إلى توقيع الاتفاق الذي تضع الحكومة الأفغانية عليه آمالا كبيرة لتطوير موارد الطاقة المحلية واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية.

ويبقى حجم العائد الاقتصادي الفعلي للمشروع مرتبطا بما ستكشفه عمليات الاستكشاف خلال السنوات المقبلة، ومدى نجاح أفغانستان والشركة السعودية في تحويل الموارد المحتملة إلى إنتاج تجاري وبنية تحتية قادرة على خدمة السوق المحلية وربطها بمشروعات الطاقة في المنطقة.

زر الذهاب إلى الأعلى