البامية والسكري.. ماذا تقول الدراسات عن قدرتها على خفض سكر الدم؟

أصبح مرض السكري من أبرز التحديات الصحية على مستوى العالم، مع وصول عدد المصابين به إلى نحو 590 مليون شخص خلال عام 2025، وفق تقديرات الاتحاد الدولي للسكري، وسط توقعات بارتفاع العدد إلى قرابة 850 مليونا بحلول عام 2050، أي بزيادة تقترب من 46%.
ويمثل السكري من النوع الثاني نحو 90% من إجمالي حالات المرض، وترتبط الإصابة به بمجموعة من العوامل، في مقدمتها زيادة الوزن والسمنة والخمول البدني، إلى جانب الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية.
ورغم التطور الكبير في العلاجات والأدوية التي تساعد على ضبط مستويات الغلوكوز وتقليل خطر المضاعفات، لا يزال اهتمام المرضى والباحثين يتزايد بالمواد الغذائية التي يمكن أن تؤدي دورا مساعدا في التحكم بسكر الدم.
وتأتي البامية ضمن الأطعمة التي حظيت باهتمام متزايد، بعدما انتشرت ادعاءات على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي حول قدرتها على خفض مستويات السكر بصورة طبيعية.
إلا أن الصورة العلمية أكثر تعقيدا؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى وجود تأثير محتمل للبامية في تحسين عدد من مؤشرات السكري، لكن الأدلة المتاحة حتى الآن لا تسمح باعتبارها بديلا عن الأدوية أو العلاج الطبي الموصوف.
قيمة غذائية ومركبات نباتية متعددة
تنتمي البامية، المعروفة علميا باسم “أبلموشوس إسكولِنتوس” (Abelmoschus esculentus L)، إلى النباتات التي تنتشر منذ قرون في مناطق من أفريقيا والشرق الأوسط وغيرها، وتناسبها الأجواء الاستوائية وشبه الاستوائية.
وتحتوي قرون البامية على مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية، من بينها الكربوهيدرات والبروتينات والألياف، إضافة إلى معادن مثل البوتاسيوم والفوسفور والكالسيوم والمغنيسيوم، فضلا عن عدد من الفيتامينات والأحماض الأمينية.
كما تضم البامية مركبات نباتية نشطة، أبرزها الفلافونويدات والمركبات الفينولية، إلى جانب مركبات مثل “إيزوكيرسيترين” (Isoquercitrin) و”كيرسيتين-3-O-جنتيوبيوسايد” (Quercetin-3-O-gentiobioside)، وهي مواد ترتبط بخصائص مضادة للأكسدة.
وتتميز بذور البامية أيضا باحتوائها على كمية ملحوظة من الزيوت، قد تتراوح نسبتها بين 20% و40%، ويعد حمض اللينوليك من أهم الأحماض الدهنية الموجودة فيها.
ما الذي يجعل البامية موضع اهتمام في أبحاث السكري؟
ينصب جزء من اهتمام الباحثين على المادة الهلامية التي تفرزها قرون البامية، والتي تحتوي على مجموعة من عديدات السكاريد.
وأشارت تجارب مخبرية ودراسات على الحيوانات إلى احتمال تأثير بعض هذه المركبات في آليات مرتبطة باستجابة الخلايا للإنسولين وتنظيم استقلاب الغلوكوز، بما في ذلك مسار “بي آي 3 كيه-بي كيه بي/إيه كيه تي” (PI3K-PKB/Akt).
كما وجدت بعض الأبحاث التجريبية مؤشرات على أن مركبات موجودة في البامية قد تساعد في دعم إفراز الإنسولين أو حماية خلايا البنكرياس.
لكن هذه النتائج لا تعني تلقائيا ثبوت الفاعلية العلاجية لدى البشر، إذ إن الانتقال من التجارب المخبرية والحيوانية إلى توصيات طبية يحتاج إلى تجارب سريرية قوية على البشر.
ولهذا اتجه الباحثون إلى دراسة تأثير البامية مباشرة لدى المصابين بالسكري، إلى جانب إجراء مراجعات منهجية وتحليلات إحصائية لنتائج التجارب السابقة.
ماذا وجدت الدراسات البشرية؟
في عام 2025، نشرت مجلة “فايتوثربي ريسيرش” (Phytotherapy Research) مراجعة منهجية وتحليلا تلويا شمل 6 تجارب عشوائية مضبوطة نُشرت حتى 15 يوليو/تموز 2024، بهدف تقييم تأثير البامية لدى المصابين بالسكري من النوع الثاني.
وأشارت النتائج إلى ارتباط تناول البامية بانخفاض مستويات سكر الدم أثناء الصيام وكذلك السكر التراكمي، بينما لم يظهر تأثير واضح على مستويات الإنسولين.
وخلص الباحثون إلى أن النتائج تشير إلى إمكانية دراسة البامية باعتبارها عاملا مساعدا إلى جانب العلاج المعتاد، وليس كبديل للأدوية الموصوفة للسكري.
وفي المقابل، ظلت قوة الأدلة محدودة بسبب العدد القليل نسبيا من الدراسات والمشاركين، فضلا عن اختلاف التجارب في كمية البامية المستخدمة وشكلها ومدة التدخل.
وأظهرت مراجعات سابقة اتجاها مشابها، إذ سجلت بعض الدراسات تحسنا في مؤشرات التحكم بسكر الدم لدى المصابين بالسكري أو مقدماته بعد استخدام البامية.
لكن الاختلافات بين الدراسات في الجرعات والتركيبات وفترات الاستخدام تجعل من الصعب حتى الآن تحديد جرعة علاجية موحدة أو طريقة محددة لتناول البامية يمكن اعتمادها طبيا.
تجربة سريرية شملت 100 مريض
وفي عام 2023، نشر باحثون نتائج تجربة سريرية عشوائية مزدوجة التعمية شملت 100 شخص مصاب بالسكري من النوع الثاني.
حصل المشاركون في مجموعة التدخل على مسحوق البامية بجرعة 1000 مليغرام ثلاث مرات يوميا لمدة ثلاثة أشهر، بينما تلقت المجموعة الأخرى علاجا وهميا بالجرعة نفسها.
واستمر أفراد المجموعتين في تناول أدوية السكري الموصوفة لهم طوال فترة الدراسة، وهو أمر مهم عند تفسير النتائج، إذ إن تأثير البامية جرى تقييمه بوصفه إضافة إلى العلاج المعتاد وليس بديلا عنه.
وأظهرت النتائج انخفاضا في مستويات سكر الدم الصيامي والسكر التراكمي لدى المجموعة التي تناولت مسحوق البامية، إلى جانب تحسن في بعض مؤشرات الدهون، ومنها الكوليسترول والدهون الثلاثية، فضلا عن بعض مؤشرات الالتهاب.
ولم تسجل الدراسة تغيرات واضحة مرتبطة بتناول البامية في وظائف الكبد والكلى أو ضغط الدم خلال فترة المتابعة.
ومع ذلك، فإن تجربة واحدة، حتى مع وجود نتائج إيجابية، لا تكفي وحدها لإثبات فعالية البامية كعلاج للسكري، خصوصا مع محدودية حجم العينة وفترة المتابعة.
البامية قد تكون غذاء مساعدا وليست علاجا مستقلا
تشير النتائج المتاحة إلى وجود أساس علمي يستحق مزيدا من البحث بشأن دور البامية في تحسين بعض مؤشرات التحكم بسكر الدم، لكن الأدلة لا تزال غير كافية لتقديمها كعلاج مستقل لمرض السكري.
ويمكن إدراج البامية ضمن نظام غذائي متوازن باعتبارها خضارا غنيا بالألياف والعناصر الغذائية، لكن الاعتماد عليها بهدف خفض السكر لا ينبغي أن يؤدي إلى إيقاف الأدوية أو تعديل جرعاتها من دون استشارة الطبيب.
كما أن تأثير أي غذاء في مستويات الغلوكوز قد يختلف من شخص إلى آخر تبعا لنوع السكري، والأدوية المستخدمة، والنظام الغذائي العام، والنشاط البدني والحالة الصحية.
وبالتالي، فإن الاهتمام العلمي بالبامية لا يعني أنها “علاج طبيعي” للسكري، وإنما يشير إلى احتمال امتلاك بعض مكوناتها تأثيرات مفيدة تحتاج إلى مزيد من الدراسات السريرية لتحديد حجمها ومدى أهميتها الطبية.







