توتر غير مسبوق بين واشنطن ومدريد.. خلافات الحاضر تعيد فتح صفحات التاريخ

شهدت العلاقات بين الولايات المتحدة وإسبانيا تصعيدا جديدا بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في 8 يوليو/تموز، أنه وجه وزير الخزانة سكوت بيسنت بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا، واصفا مدريد بأنها “شريك سيئ” داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك خلال ظهوره إلى جانب الأمين العام للحلف مارك روته على هامش قمة الناتو في العاصمة التركية أنقرة.
ويأتي هذا التصعيد في ظل تدهور العلاقات بين البلدين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، إلا أن جذور التباعد بين واشنطن ومدريد تمتد إلى محطات تاريخية أقدم بكثير.
إسبانيا وحرب الاستقلال الأمريكية
رغم أن إسبانيا لعبت دورا بارزا في دعم الثورة الأمريكية ضد بريطانيا خلال حرب الاستقلال، عبر تقديم الإمدادات والأسلحة والمساندة العسكرية إلى جانب فرنسا، فإن هذا الدور غالبا ما يغيب عن السردية التاريخية الأمريكية.
وساهم الدعم الإسباني، خاصة خلال معركة يوركتاون عام 1781 التي انتهت بهزيمة القوات البريطانية بقيادة تشارلز كورنواليس، في تمهيد الطريق لاستقلال الولايات المتحدة وتأسيس الدولة الأمريكية.
وفي المقابل، يرى كثير من الإسبان أن الولايات المتحدة لم ترد الجميل، مستشهدين بالحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898 التي خسرت خلالها مدريد مستعمراتها في الكاريبي والمحيط الهادئ لصالح واشنطن.
إرث تاريخي من الخلافات
وتعززت هذه النظرة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ لم تستفد إسبانيا من خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، كما دعمت الولايات المتحدة نظام الجنرال فرانسيسكو فرانكو لعقود في إطار مواجهة المد الشيوعي خلال الحرب الباردة.
ويرى مراقبون أن هذه الخلفية التاريخية أسهمت في تكوين نظرة متحفظة تجاه الولايات المتحدة داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسباني، وهو ما يفسر قبول مواقف الحكومة الإسبانية المنتقدة للسياسات الأمريكية، رغم التباينات السياسية الداخلية.
غزة نقطة التحول الأبرز
شكلت الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 منعطفا واضحا في العلاقات بين البلدين، بعدما تبنت مدريد مواقف مغايرة تماما لواشنطن تجاه الصراع.
وأظهرت استطلاعات للرأي تأييدا واسعا داخل إسبانيا للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما انعكس على سياسة حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، التي وصفت ما يجري في غزة بأنه “إبادة جماعية”، كما دعمت الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل.
وفي مايو/أيار 2024، اعترفت إسبانيا رسميا بدولة فلسطين إلى جانب أيرلندا والنرويج، معتبرة أن الاعتراف يمثل خطوة ضرورية لتحقيق السلام، مع تأكيدها دعم حل الدولتين على أساس حدود عام 1967، والقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية.
إجراءات تصعيدية تجاه إسرائيل
واصلت مدريد تشديد مواقفها خلال عام 2025، إذ فرضت حظرا شاملا على تصدير الأسلحة والمعدات ذات الاستخدام العسكري إلى إسرائيل، كما منعت استخدام موانئها ومجالها الجوي في نقل الإمدادات العسكرية، وحظرت استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية، إلى جانب فرض قيود على دخول عدد من المسؤولين الإسرائيليين إلى الأراضي الإسبانية.
وتعكس هذه السياسات اتساع الفجوة السياسية بين مدريد وواشنطن، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الطرفين بشأن ملفات الدفاع والتجارة والسياسة الخارجية، ما يجعل العلاقات بين الحليفين تمر بإحدى أكثر مراحلها توترا منذ عقود.







