الأخبار الدولية

جبل كيميرا في تركيا.. نيران أبدية تشتعل من قلب الصخور

على قمة جبل في جنوب غرب تركيا، تتصاعد ألسنة لهب مستمرة من شقوق وتصدعات صخرية تمتد على مساحة تقارب 5 آلاف متر مربع، في ظاهرة جيولوجية تُعد من الأكثر غرابة وإثارة في العالم.

ويُعرف هذا الموقع باسم جبل كيميرا أو يانارتاش، وهي كلمة تركية تعني “الصخرة المشتعلة”، حيث تخرج عشرات النيران الطبيعية الصغيرة مباشرة من سفح الجبل، لتشكل مشهدا بصريا فريدا يزداد سحرا في الليل.

وعلى عكس الحرائق التقليدية، لا تعتمد هذه النيران على خشب أو وقود بشري، بل تشتعل ذاتيا دون تدخل خارجي، وقد استمرت مشتعلة بشكل شبه متواصل لأكثر من ألفي عام.

ومنذ العصور القديمة، أثارت هذه الظاهرة دهشة الإنسان، وألهمت العديد من الأساطير التي حاولت تفسير سر هذا اللهب الدائم، بينما يواصل العلم الحديث دراسة أسباب استمرارها حتى اليوم.

كيميرا بين الجيولوجيا والأسطورة والتاريخ

تقع منطقة يانارتاش ضمن متنزه أوليمبوس بيداغلاري الوطني على ساحل البحر المتوسط غرب أنطاليا، وهي منطقة تجمع بين الطبيعة الخلابة والرمزية الأسطورية العميقة.

وترتبط شهرة الموقع بالنيران الأبدية منذ العصور الكلاسيكية، حيث وصفها الإغريق والرومان كشعلة لا تنطفئ أبدا، وورد ذكرها لدى المؤرخ الروماني بليني الأكبر الذي أكد استمرار اشتعالها دون انقطاع.

كما تناولها الكاتب الإغريقي باليفاتوس، الذي أشار إلى وجود فتحة في الأرض تنبعث منها النار، مؤكدا أن ما يُروى عن كيميرا لم يكن مجرد أسطورة خيالية بالكامل.

وفي الأساطير اليونانية، ارتبط الموقع بمخلوق “الكيميرا” الذي يجمع بين الأسد والأفعى والماعز وينفث النار، وهو ما يعتقد الباحثون أنه استُلهم من الظاهرة الطبيعية للنيران الأرضية.

كما وصف الرحالة البريطانيون في القرن التاسع عشر الموقع بأنه يحتوي على فتحات غازية مشتعلة، استخدمها السكان المحليون في الطهي وإعداد القهوة، ما يعزز استمرارية الظاهرة عبر الزمن.

من الأسطورة إلى التفسير العلمي

يفسر العلم الحديث ظاهرة كيميرا بانبعاث غاز الميثان من باطن الأرض عبر الشقوق الصخرية، حيث يشتعل فور ملامسته للأكسجين في الهواء.

ويتميز هذا الميثان بأنه ليس بالضرورة ناتجا عن تحلل مواد عضوية، بل قد يتكون من تفاعلات كيميائية عميقة داخل القشرة الأرضية، ويُعرف في هذه الحالة باسم “الميثان اللاأحيائي”.

وينتج هذا الغاز من تفاعلات بين الماء والصخور في أعماق قد تصل إلى عدة كيلومترات تحت سطح الأرض، ويصعد تدريجيا عبر الشقوق حتى يصل إلى السطح.

ويرجح الباحثون أن استمرار الاشتعال يعود إلى وجود خزان غازي طبيعي مضغوط في باطن الأرض، يعمل على تغذية هذه النيران بشكل مستمر، بطريقة تشبه تسرب الغاز من مصدر مضغوط.

آليات جيولوجية معقدة لتكوين الميثان

تشير دراسات حديثة إلى أن الميثان غير الحيوي أكثر انتشارا مما كان يُعتقد سابقا، وأنه جزء من دورة كربونية عميقة داخل الأرض لم تُفهم بالكامل بعد.

وقد تم رصد مئات المواقع حول العالم التي تُظهر تسربات مشابهة للغازات القابلة للاشتعال، في أكثر من 20 دولة، إضافة إلى مواقع في أعماق البحار.

ويُعتقد أن تكوين هذا الميثان يعتمد على تفاعل الهيدروجين الناتج عن تفاعلات جيولوجية مثل السربنتنة، مع مصادر للكربون غير العضوي في وجود محفزات معدنية ودرجات حرارة مرتفعة.

وتؤدي هذه العمليات إلى إنتاج غاز الميثان الذي يصعد عبر الشقوق الصخرية، ثم يشتعل فور وصوله إلى سطح الأرض.

كيميرا وأهمية علمية تتجاوز الظاهرة

لا تقتصر أهمية ظاهرة كيميرا على بعدها الجيولوجي، بل تمتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بأصل الحياة وإمكانية وجودها خارج الأرض.

فدراسة الميثان اللاأحيائي تساعد العلماء على فهم البيئات التي قد تكون مناسبة لنشوء الحياة، سواء على الأرض القديمة أو على كواكب وأقمار أخرى مثل المريخ وإنسيلادوس.

كما يثير وجود الهيدروجين المصاحب لهذه التفاعلات احتمالات مستقبلية لاستخدامه كمصدر طاقة نظيف، نظرا لعدم انبعاث الكربون عند احتراقه.

وبينما تتواصل الأبحاث، يظل جبل كيميرا موقعا فريدا يجمع بين الأسطورة القديمة والتفسير العلمي الحديث، ويفتح أسئلة لا تزال قيد البحث حول أسرار باطن الأرض.

زر الذهاب إلى الأعلى