تقنية

الذكاء الاصطناعي يدخل سباق فهم اللهجات العربية.. من الفصحى إلى لغة الشارع

لم تعد اللغة العربية في عالم الذكاء الاصطناعي مجرد لغة إضافية تُترجم إليها الإجابات أو تُدرج ضمن قائمة اللغات المدعومة في التطبيقات الرقمية، بل تحولت إلى ساحة تنافس متزايدة بين شركات التكنولوجيا ومراكز الأبحاث العربية والعالمية، في محاولة لتطوير نماذج تستطيع التعامل مع خصوصية العربية وفهم لهجاتها المتعددة وسياقاتها الثقافية.

وخلال السنوات الأخيرة، اتجه الاهتمام من تحسين أداء النماذج في العربية الفصحى إلى معالجة تحد أكثر تعقيدا، يتمثل في فهم اللهجات التي يستخدمها مئات الملايين في حياتهم اليومية، من الخليجية والسعودية إلى المصرية والشامية والمغربية، وهي لهجات قد تختلف بدرجات كبيرة في المفردات والتراكيب والأساليب.

العربية ليست لغة واحدة في الاستخدام اليومي

يمثل تطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على فهم العربية تحديا خاصا، لأن اللغة المستخدمة فعليا لا تقتصر على الفصحى، بل تضم عشرات اللهجات المحلية والإقليمية التي تختلف في الكلمات والنطق والأسلوب وأحيانا في البناء اللغوي نفسه.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما تتعامل النماذج مع المحادثات اليومية التي تتضمن تعبيرات شعبية أو أمثالا متداولة أو سخرية أو معاني ضمنية وإشارات مرتبطة بثقافة مجتمع معين.

وتشير أبحاث لغوية حديثة إلى أن كثيرا من النماذج الكبرى لا تزال تعاني من ضعف تمثيل اللهجات العربية، خصوصا اللهجات التي تفتقر إلى كميات كبيرة من البيانات الرقمية. ومن هنا ظهرت محاولات لتطوير معايير أكثر دقة تقيس قدرة النماذج على فهم اللهجات والسياق الثقافي العربي، من بينها معيار AraDiCE.

الانتقال من الفصحى إلى اللهجات

كانت النماذج اللغوية حتى وقت قريب تقدم نتائج أفضل بكثير عند التعامل مع النصوص العربية الفصحى، بينما ينخفض أداؤها عند الانتقال إلى محادثات عامية طويلة أو نصوص مليئة بالتعبيرات المحلية.

لكن المشهد بدأ يتغير مع ظهور نماذج عربية متخصصة، من أبرزها النموذج السعودي علام (ALLaM) والنموذج الإماراتي جيس (Jais)، بالتزامن مع تطور قدرة النماذج العالمية مثل ChatGPT وGemini وClaude على التعامل مع العربية.

وفي الإمارات، ظهر خلال عام 2025 نموذج Falcon Arabic الذي طوره مجلس أبحاث التكنولوجيا المتقدمة، مع التركيز على استخدام بيانات عربية أصلية بدلا من الاعتماد بصورة أساسية على ترجمة بيانات من لغات أخرى.

ويعكس هذا التوجه تحولا مهما في طريقة بناء النماذج العربية، إذ أصبح الهدف إنتاج أنظمة تتعلم من اللغة كما يستخدمها المتحدثون بها فعليا، بما يشمل اختلاف اللهجات والمصطلحات والتعبيرات المحلية.

أما في السعودية، فقد أصبح نموذج علام جزءا من توجه أوسع نحو تطوير خدمات رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتراعي الخصائص اللغوية والثقافية للمستخدمين العرب.

الاختبارات تكشف فجوة بين اللهجات

ورغم التطور الملحوظ في أداء النماذج العربية، لا تزال الاختبارات الحديثة تكشف عن تحديات كبيرة.

ففي دراسة علمية حديثة ضمن ورشة AbjadNLP، خضعت مجموعة من النماذج لاختبارات تتعلق بفهم وترجمة 16 لهجة عربية بالاعتماد على قاعدة بيانات MADAR، التي تعد من قواعد البيانات المعروفة في مجال دراسة التنوع اللهجي العربي.

وشملت المقارنة نماذج عربية وأخرى عالمية ومتعددة اللغات، وأظهرت النتائج تحسنا واضحا مقارنة بالسنوات السابقة، لكن الفوارق بين اللهجات ظلت عاملا مؤثرا في مستوى الأداء.

وتبرز المشكلة بصورة خاصة عند محاولة تحديد اللهجة بدقة أو ترجمة التعبيرات المحلية أو فهم المعنى المقصود من عبارة لا يمكن تفسيرها بشكل صحيح من دون معرفة السياق الثقافي الذي نشأت فيه.

كما تبين أن نوعية البيانات التي تدربت عليها النماذج تؤثر بصورة كبيرة في نتائجها، وهو ما يجعل المقارنة بين النماذج أكثر تعقيدا من مجرد النظر إلى حجم النموذج أو عدد معلماته.

البيانات هي نقطة القوة الأساسية

لا يرتبط نجاح النموذج اللغوي بحجمه فقط، بل يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة البيانات التي تعلم منها.

وتواجه العربية مشكلة واضحة في هذا الجانب مقارنة بالإنجليزية، إذ لا تتوفر كميات مماثلة من قواعد البيانات المفتوحة والمنظمة التي تمثل اللهجات العربية المختلفة بصورة متوازنة.

كما أن جزءا كبيرا من المحتوى العربي المنشور على الإنترنت يستخدم الفصحى، بينما تكتب اللهجات بطرق غير موحدة، وقد يستخدم الأشخاص الكلمة نفسها بعدة طرق كتابية مختلفة، فضلا عن استخدام الحروف اللاتينية أحيانا في كتابة العربية.

ولهذا بدأت مؤسسات بحثية وشركات تقنية عربية في العمل على بناء مجموعات بيانات أكثر تنوعا، تتضمن محادثات ونصوصا تمثل الاستخدام الحقيقي للهجات المختلفة.

وكلما كانت البيانات أكثر تنوعا ودقة، أصبحت النماذج أكثر قدرة على التمييز بين الفروق الدقيقة في اللغة، بدلا من الاكتفاء بتقليد الأسلوب الخارجي للهجة.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم اللهجة أم مجرد تقليدها؟

يمثل هذا السؤال أحد أهم التحديات الحالية في تطوير النماذج العربية.

فقد يتمكن نموذج ذكاء اصطناعي من كتابة نص يبدو مصريا أو خليجيا أو مغربيا، لكنه قد يفشل عندما يواجه تعبيرا مجازيا أو نكتة محلية أو عبارة ساخرة لا يمكن فهمها حرفيا.

وهنا يظهر الفرق بين إنتاج اللهجة وفهمها.

وأظهرت أبحاث حديثة إمكانية تكييف نماذج مفتوحة المصدر للتعامل مع خمس لهجات عربية، هي المصرية والمغربية والفلسطينية والسعودية والسورية، لكن النموذج الأفضل لم يكن واحدا في جميع الحالات، بل اختلف مستوى الأداء بحسب اللهجة والبيانات المستخدمة في التدريب.

وتكشف هذه النتائج أن بناء نموذج واحد قادر على التعامل مع جميع اللهجات العربية بالمستوى نفسه لا يزال تحديا بحثيا كبيرا، ولم يتحول بعد إلى واقع تجاري متكامل.

اللهجات العربية تفتح سوقا واسعة للذكاء الاصطناعي

لا تقتصر أهمية تحسين فهم اللهجات على الجانب الأكاديمي، إذ يمكن أن ينعكس ذلك على عدد كبير من التطبيقات اليومية.

فالنماذج الأكثر قدرة على فهم العربية المحلية يمكن أن تدعم خدمات العملاء، والتعليم، والترجمة، والمساعدات الرقمية، والبحث الصوتي، والتطبيقات الحكومية، والمنصات الصحية والمالية.

كما يمكن للمساعد الرقمي أن يصبح أكثر فاعلية عندما يفهم الطريقة التي يتحدث بها المستخدم بدلا من إجباره على استخدام الفصحى أو لغة رسمية بعيدة عن أسلوبه اليومي.

وهذا الأمر مهم بصورة خاصة في المجتمعات التي تستخدم أكثر من مستوى لغوي في حياتها اليومية، حيث يمكن للشخص أن ينتقل بين الفصحى واللهجة المحلية واللغة الأجنبية داخل المحادثة نفسها.

المنافسة تتجه نحو الهوية اللغوية

يرى متخصصون أن المرحلة المقبلة من المنافسة في الذكاء الاصطناعي العربي لن تركز فقط على سؤال: هل يستطيع النموذج التعامل مع العربية؟ بل ستتجه إلى سؤال أكثر دقة: هل يستطيع النموذج فهم العربية كما يستخدمها الناس في حياتهم اليومية؟

فالمستخدم في الرياض لا يستخدم بالضرورة المفردات نفسها التي يستخدمها شخص في القاهرة أو بيروت أو الدار البيضاء، وحتى داخل البلد الواحد يمكن أن تختلف التعبيرات بين المناطق والفئات العمرية.

ومن ثم، فإن النموذج الذي يقدم إجابة صحيحة لغويا لكنه لا يفهم السياق المحلي قد يكون أقل فائدة من نموذج أصغر يستطيع فهم البيئة التي يتحدث منها المستخدم.

مرحلة جديدة للذكاء الاصطناعي العربي

مع ارتفاع الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، وتطور النماذج العربية المتخصصة، وظهور معايير جديدة لقياس قدراتها، إلى جانب التوسع في جمع البيانات الخاصة باللهجات، تبدو صناعة الذكاء الاصطناعي العربي أمام مرحلة جديدة.

والتحدي الحقيقي لم يعد مجرد جعل الآلة تكتب بالعربية، وإنما جعلها تفهم الفروق الدقيقة بين لهجاتها، وتستوعب ثقافاتها وتعبيراتها، وتتعامل مع اللغة باعتبارها جزءا من هوية المستخدم وسياقه الاجتماعي.

وقد يكون الوصول إلى هذا المستوى هو الخطوة التي تنقل الذكاء الاصطناعي العربي من مرحلة دعم اللغة إلى مرحلة الفهم الحقيقي للغة العربية بمختلف أشكالها.

زر الذهاب إلى الأعلى