الصحة

عدوى الجهاز التنفسي العلوي: عبء عالمي يتفاقم في الشتاء ويفسره العلم بآليات مناعية معقدة

تُعد عدوى الجهاز التنفسي العلوي من أكثر الأمراض المعدية انتشارًا حول العالم، إذ سُجلت عام 2021 نحو 12.8 مليار إصابة، شملت مختلف الفئات العمرية. ورغم أن الفيروسات المسببة لها تنشط على مدار العام، فإن ذروة انتشارها تظهر في فصل الشتاء، حيث تزداد معدلات انتقال العدوى بين الأفراد وترتفع الإصابات بنزلات البرد والإنفلونزا بشكل واضح.

ولا يقتصر أثر هذه العدوى على الجانب الصحي فقط، بل يمتد إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية كبيرة، إذ تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية في العمل والدراسة وارتفاع نسب الغياب، إضافة إلى ضغط متزايد على أنظمة الرعاية الصحية التي تتحمل تكاليف ضخمة سنويًا. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن هذه الأمراض تمثل نحو 6% من العبء العالمي للأمراض، متقدمة على بعض الأمراض المزمنة الكبرى.

وتتداخل عدة عوامل في تفسير هذا الانتشار الموسمي، أبرزها التغيرات البيئية في الشتاء مثل انخفاض الحرارة والرطوبة، ما يؤثر على قدرة الجهاز التنفسي في التصدي للفيروسات. كما تسهم الفيروسات نفسها في زيادة الانتشار عبر الطفرات المستمرة التي تعزز قدرتها على التهرب من الجهاز المناعي.

ومن العوامل المهمة أيضًا جفاف الهواء خلال الشتاء، والذي يؤدي إلى تضرر الطبقة المخاطية في الجهاز التنفسي، ما يسهل دخول الفيروسات واستقرارها في الممرات الهوائية، ويزيد من حدة أعراض أمراض مثل الربو والانسداد الرئوي المزمن.

وتطرح أبحاث حديثة، من بينها دراسة للبروفيسور محمد حندوس من جامعة قطر، تفسيرًا أكثر تفصيلًا لزيادة العدوى في البرد، حيث يركز على دور الأنف بوصفه خط الدفاع الأول. إذ يؤدي انخفاض الحرارة إلى إضعاف الخلايا المناعية، وزيادة لزوجة المخاط، وتباطؤ حركة الأهداب المسؤولة عن طرد الفيروسات، ما يسمح بتراكمها داخل الجهاز التنفسي.

كما تشير الدراسة إلى أن الجسم في الطقس البارد يعيد توزيع طاقته للحفاظ على الأعضاء الحيوية، مما يقلل من كفاءة الجهاز المناعي. ويؤثر البرد أيضًا على مكونات الدم والسيتوكينات المنظمة للاستجابة الالتهابية، ما يضعف القدرة الدفاعية ضد العدوى.

وتبرز الدراسة كذلك دور الحويصلات خارج الخلية التي تنتجها الخلايا المبطنة للأنف، وهي جسيمات دقيقة تشارك في تنظيم المناعة والتواصل بين الخلايا. هذه الحويصلات تتأثر بالبرد، مما يقلل من فعاليتها في مكافحة الفيروسات عبر تعطيل آليات تنشيط المناعة مثل مستقبلات TLR3.

وفي المحصلة، توضح هذه المعطيات العلمية أن انتشار عدوى الجهاز التنفسي في الشتاء ليس مجرد نتيجة للتجمعات أو الظروف السلوكية، بل هو تفاعل معقد بين البيئة والمناعة والفيروسات، يجعل الجسم أكثر عرضة للإصابة خلال انخفاض درجات الحرارة.

زر الذهاب إلى الأعلى