هل توجد سمنة صحية؟.. لماذا يختلف تأثير زيادة الوزن من شخص إلى آخر؟

قد يتشابه شخصان في الوزن والعمر ومؤشر كتلة الجسم، لكن الفحوصات الطبية تكشف صورة مختلفة تماما. فقد يعاني أحدهما السكري وارتفاع ضغط الدم والكبد الدهني، بينما تبدو نتائج الآخر طبيعية بالكامل. هذا التفاوت دفع الباحثين إلى دراسة ما يعرف بـ”السمنة السليمة أيضيا”، وهي حالة لا تزال تثير جدلا واسعا في الأوساط العلمية حول ما إذا كانت تمثل بالفعل شكلا أقل خطورة من السمنة، أم مجرد مرحلة مؤقتة تسبق ظهور الأمراض.
السمنة لا تُقاس بالوزن وحده
لطالما اعتمد الأطباء على مؤشر كتلة الجسم لتشخيص السمنة، إذ تُعرف الحالة عادة عندما يبلغ المؤشر 30 كيلوجراما لكل متر مربع أو أكثر، ويتم احتسابه بقسمة الوزن على مربع الطول.
لكن هذا المؤشر لا يقدم صورة كاملة عن الحالة الصحية، لأنه لا يميز بين الكتلة العضلية والدهون، كما لا يوضح أماكن تراكم الدهون داخل الجسم أو مدى تأثيرها في وظائف الأعضاء.
ولهذا أوصت لجنة علمية دولية نشرت توصياتها في مجلة The Lancet Diabetes & Endocrinology بعدم الاكتفاء بمؤشر كتلة الجسم، بل بدمجه مع قياسات أخرى مثل محيط الخصر، ونسبة الخصر إلى الطول، وتحليل تركيب الجسم، إلى جانب تقييم تأثير الدهون على الأعضاء المختلفة.
ما المقصود بالسمنة السليمة أيضيا؟
يشير هذا المصطلح إلى أشخاص يعانون زيادة واضحة في نسبة الدهون، لكنهم لا يُظهرون عند الفحص اضطرابات أيضية شائعة مثل:
- ارتفاع ضغط الدم.
- السكري أو مقاومة الإنسولين.
- اضطرابات الدهون الثلاثية والكوليسترول.
- أمراض القلب والأوعية الدموية.
ومع ذلك، لا يوجد حتى الآن تعريف طبي موحد لهذه الحالة، إذ تختلف معايير الدراسات في تحديدها، وهو ما يؤدي إلى اختلاف نتائج الأبحاث ونسب انتشارها.
التحاليل الطبيعية لا تعني غياب الخطر
يشدد الباحثون على أن النتائج الطبيعية للفحوصات لا تعني أن الجسم بمنأى عن التأثيرات الضارة للسمنة.
فقد تبدأ الدهون بالتراكم داخل الكبد أو حول الأعضاء الداخلية أو داخل الأوعية الدموية قبل سنوات من ظهور ارتفاع السكر أو ضغط الدم، وهو ما يجعل بعض الأشخاص يبدون أصحاء ظاهريا رغم وجود تغيرات مرضية مبكرة.
لذلك لا تُعد السمنة السليمة أيضيا ضمانا دائما ضد الإصابة بالأمراض مستقبلا، وإنما قد تمثل مرحلة مؤقتة تختلف مدتها من شخص لآخر.
مكان الدهون أهم من كميتها
يرى الخبراء أن موضع تراكم الدهون داخل الجسم قد يكون أكثر أهمية من كمية الدهون نفسها.
فالدهون الموجودة تحت الجلد، خاصة في منطقتي الوركين والفخذين، تعد أقل خطورة نسبيا، لأنها تعمل كمخزن طبيعي للطاقة.
أما الدهون الحشوية التي تتجمع حول أعضاء البطن، إضافة إلى الدهون المتراكمة في الكبد والعضلات والبنكرياس، فترتبط بشكل أكبر بارتفاع خطر الإصابة بالسكري وأمراض القلب والكبد الدهني.
وعندما تفقد الخلايا الدهنية قدرتها على تخزين الدهون بأمان، تبدأ الدهون بالانتقال إلى أعضاء أخرى، مما يؤدي إلى الالتهابات ومقاومة الإنسولين واضطرابات التمثيل الغذائي.
لماذا يبدو بعض المصابين بالسمنة أكثر صحة؟
تشير الدراسات إلى أن الأشخاص المصنفين ضمن فئة السمنة السليمة أيضيا يتميزون بعدة خصائص قد تمنحهم حماية نسبية، منها:
- انخفاض كمية الدهون الحشوية.
- قلة تراكم الدهون داخل الكبد.
- حساسية أفضل للإنسولين.
- مستويات أقل من الالتهابات المزمنة.
- لياقة قلبية وتنفسية أعلى.
- قدرة أكبر للخلايا الدهنية على تخزين الدهون دون فقدان وظيفتها.
كما تلعب الوراثة، والعمر، والجنس، والنشاط البدني، والنظام الغذائي، وجودة النوم، دورا مهما في تفسير هذه الاختلافات بين الأشخاص.
لماذا يهتم العلماء بهذه الظاهرة؟
لا يسعى الباحثون إلى إثبات وجود “سمنة صحية” بقدر ما يحاولون فهم الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص يقاومون مضاعفات السمنة لفترات أطول من غيرهم.
وتتركز الدراسات الحالية على آليات عمل الخلايا الدهنية، ووظائف الميتوكوندريا، ومستويات الالتهاب، والعوامل الوراثية والجزيئية، أملا في تطوير علاجات مستقبلية تقلل انتقال الدهون إلى الأعضاء الحيوية وتحسن استجابة الجسم للإنسولين.
كما يدرس العلماء دور بعض الهرمونات مثل الأديبونكتين، الذي يرتبط بتحسين حساسية الإنسولين وتقليل الالتهابات، إلى جانب دراسة الجينات والبروتينات والجزيئات الحيوية المسؤولة عن تنظيم عمليات التمثيل الغذائي.
السمنة ليست حكما نهائيا.. لكنها ليست آمنة أيضا
يرى المختصون أن السمنة لا تعني بالضرورة إصابة فورية بالأمراض المزمنة، لكنها في الوقت نفسه ليست حالة يمكن اعتبارها آمنة لمجرد أن نتائج الفحوصات الحالية تبدو طبيعية.
ولهذا يوصى بعدم الاكتفاء بمراقبة الوزن أو مؤشر كتلة الجسم فقط، بل بإجراء تقييم صحي شامل يشمل توزيع الدهون ووظائف الأعضاء والعوامل الأيضية، مع الالتزام بالنشاط البدني، والتغذية المتوازنة، والمتابعة الطبية المنتظمة، لأن الوقاية تبقى أفضل وسيلة لتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل.







