الأخبار الوطنية

الحوار لا يمكن أن يكون غطاء لسلطة تُمهّد لانتهاك الدستور

لا أحد يجادل في أن موريتانيا بحاجة إلى حوار وطني حقيقي. ونحن نطالب بهذا الحوار، باعتباره ضرورة لإعادة تأسيس الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما يطالب به أي طرف آخر. لكن ينبغي الحذر من الخلط الذي يكرّسه البعض، عن قصد أو عن غير قصد: فالمطلب الوطني بالحوار ليس هو المسار الذي أطلقته السلطة. الأول يستوجب انخراط الجميع، أما الثاني فيجب الحكم عليه كما هو، من خلال أفعال السلطة، وضماناته، والنتائج التي تتيح معطياته الموضوعية توقعها بصورة معقولة.فماذا تقول لنا الوقائع ؟ بينما يدّعي هذا الحوار أنه يهيئ مناخا من الهدوء والطمأنينة، يُعتقل معارضون، ويُمنع برلمانيون من ممارسة مهامهم، ويُلاحق نشطاء قضائيا، ويُزج بالجنرال المتقاعد لبات ولد معيوف في السجن بسبب وقائع مرتبطة مباشرة بمواقفه وتعبيره السياسي. وفي الوقت نفسه، تجوب البلاد حملة منظمة لتهيئة الرأي العام لانتهاك الدستور وإرساء ولاية ثالثة. ولا يمكن مطالبة المعارضة بمناقشة مستقبل البلاد بهدوء، في اللحظة نفسها التي يجري فيها تهيئة الأذهان للدوس على الأساس الدستوري الذي يقوم عليه هذا المستقبل.وهذه الحملة تحديدا هي التي تغيّر كل شيء. فهي ليست مجرد حادث مؤسف على هامش الحوار، بل إنها تغيّر طبيعة الحوار نفسه. فالسلطة التي تسمح بازدهار مثل هذا المسعى لا تستطيع، في الوقت ذاته، أن تدّعي توفير ضمانات لمسار إصلاحي نزيه. ومن هنا ينبغي طرح السؤال الذي تتوقف عليه كل الأسئلة الأخرى: ما الذي تستعد هذه السلطة فعليا للتنازل عنه؟فالحوار، حتى لا يتحول إلى مجرد تمرين شكلي، يجب أن يواجه القضايا التي تحدد إمكانية تحقيق تناوب سياسي حقيقي: الخريطة الانتخابية والتقسيم الانتخابي؛ تركيبة اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات واستقلاليتها الفعلية؛ موضوعية العملية الانتخابية وشفافيتها؛ تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية؛ نظام الترخيص للأحزاب؛ قواعد التزكية؛ المساواة الفعلية بين الفاعلين السياسيين؛ وضمانات منافسة حرة ونزيهة. وهذه تحديدا هي الآليات التي تقوم عليها اليوم الهيمنة السياسية للسلطة القائمة. وهي التي ينبغي تغييرها بصورة عميقة حتى يتوقف مصطلح «التناوب» عن كونه مجرد تعبير إنشائي.فعلى ماذا يقوم إذن أمل الذين يعتقدون بإمكانية تحقيق مثل هذا التحول؟ وما هي الإشارة الملموسة التي قدمتها السلطة، والتي تبرر الاعتقاد بأنها ستقبل بمراجعة الآليات التي تضمن اليوم هيمنتها السياسية؟ ليس من الجدية انتظار أن توافق سلطة، بمجرد الدخول في حوار، على إصلاحات من شأنها أن تمس الشروط التي تضمن استمرارها في الحكم.إن بعض التعديلات التقنية وبعض التنازلات الهامشية لن تكفي لقلب هذه المعادلة. ومن دون تحول عميق بما يكفي في النظام الانتخابي، لن يكون الحوار قد أوجد شروط التناوب. بل سيكون قد منح شرعية جديدة لنظام يسعى قبل كل شيء إلى ضمان استمراره.يجب التحلي بالشجاعة لمواجهة هذا التناقض. فمن جهة، تترك السلطة مسارا يتجه نحو تهيئة الظروف لانتهاك الدستور وتمديد بقائها في الحكم إلى ما يتجاوز الحدود التي يرسمها الدستور. ومن جهة أخرى، تواصل فئة من المعارضة التعويل على حوار تنتظر منه إصلاحات انتخابية جذرية، وهي الإصلاحات الوحيدة القادرة على جعل التناوب ممكنا.فكيف يمكن لهذين المسارين أن يتعايشا من دون أن ينتهي أحدهما إلى إبطال الآخر؟ ولماذا نستمر في الاعتقاد بأن هذا المسار قادر على إحداث تحول حقيقي في النظام، في حين أن أفعال السلطة وتوجهاتها تبدو، يوما بعد يوم، تشير إلى العكس؟إن المشكلة ليست إذن في معرفة ما إذا كان الحوار، من حيث المبدأ، امتيازا تمنحه السلطة أو وسيلة لمنحها الشرعية. وإنما في معرفة من المستفيد فعليا من حضور المعارضة في مسار يجري تحت عنوان القمع والترهيب والانحراف عن المسار الدستوري.فعندما تشارك المعارضة في هذا المسار رغم هذه الوقائع، تستطيع السلطة استخدام مشاركتها لإضفاء مظهر من الطبيعية على وضع غير طبيعي: الادعاء بأن المناخ السياسي هادئ، وأن القوى الحية في البلاد مشاركة في المسار، وأن المؤسسات تعمل بصورة طبيعية. وهكذا يمكن للمشاركة، من دون أن يكون ذلك بالضرورة قصد المشاركين في الحوار، أن تتحول إلى غطاء للسلطة.وفوق ذلك، لا يجوز تقديم هذا الغطاء باسم حوار لا يجمع المعارضة بمختلف مكوناتها. فلا يمكن وصف مسار بأنه شامل بينما يستبعد مكونا رئيسيا من المشهد السياسي الوطني، وهو المكون الذي جاء مرشحه في المرتبة الثانية في آخر انتخابات رئاسية، والذي يمثل نسبة كبيرة من الناخبين الموريتانيين.إن حوارا يستبعد قوة سياسية بهذا الوزن يستطيع أن يجمع فاعلين، وأن ينتج نقاشات، بل وأن يفضي إلى بعض الاتفاقات؛ لكنه لا يستطيع أن يدّعي إعادة تأسيس قواعد اللعبة السياسية الوطنية أو فتح أفق حقيقي للتناوب.كما لا يكفي التعويل على أمل أن تُقْدِم السلطة على مراجعة مواقفها، أو مطالبتها بإعادة ضبط حزبها، وضمان الحريات، ومواصلة الانفتاح الذي أعلنته. فالوقائع تثبت كل يوم عكس هذه الالتزامات. ولا تستطيع المعارضة أن تبني استراتيجيتها على هذا الانتظار. وعليها أن تتحمل مسؤولياتها وأن تستخلص، أخيرا، النتائج السياسية المترتبة على الوضع الذي ظلت تدينه منذ فترة طويلة.لقد ابتلعت المعارضة ما يكفي من المرارات وتعرضت لما يكفي من الإهانات، حتى لا تواصل انتظار حوار، من دون المطالبة بأي مقابل، في ظل شروط تتناقض في حد ذاتها مع الطموح المعلن منه. والشعب الموريتاني لا ينتظر منها بيانات تعبر عن القلق، وإنما ينتظر موقفا واضحا وحازما وشجاعا، يتناسب مع خطورة هذه اللحظة. ولن يغفر لها لا الاستسلام ولا العجز عن اغتنام هذه اللحظة الحاسمة.وأريد أن أتوجه مباشرة إلى إخوتي ورفاقي منذ زمن طويل في النضال الديمقراطي، محمد ولد مولود، رئيس اتحاد قوى التقدم، ولو غورمو. إنني أعرف التزامهما المستمر بالديمقراطية، وتمسكهما بالحريات، وحرصهما على المصلحة العليا لموريتانيا، وأعلم أنهما، بحكم تجربتهما الطويلة كمعارضين تاريخيين، يدركان أكثر من غيرهما خطورة هذه اللحظة.فهناك لحظات تفرض فيها المسؤولية السياسية تجاوز الحسابات التكتيكية والنظر إلى التاريخ وجها لوجه. وأنا أثق في حكمتهما وخبرتهما، لكي يتخذا، عندما يحين الوقت، القرار الذي تفرضه مصلحة موريتانيا وخطورة الوضع.لذلك أدعو جميع قوى المعارضة المنخرطة في هذا الحوار إلى إعادة النظر في مشاركتها والانسحاب منه. كما أدعوها، في الوقت نفسه، إلى فتح مشاورات حقيقية فيما بينها لتجاوز خلافاتها واعتماد موقف مشترك في مواجهة هذه السلطة ومواجهة التحديات التي تواجه البلاد.فالمسألة ليست معرفة ما إذا كنا مع الحوار أو ضده. فنحن، من دون تحفظ، مع حوار وطني حقيقي، حر وشامل وشفاف، قادر على إعادة تأسيس شروط منافسة سياسية نزيهة. وإنما السؤال هو: هل تتوفر في المسار الحالي اليوم الشروط السياسية والمؤسسية والديمقراطية التي تسمح بتحقيق هذا الطموح؟ إنها غير متوفرة.نحن لا نرفض الحوار. وإنما نرفض أن نكون غطاء له ما دام مجرد حوار شكلي، في الوقت الذي تُقمع فيه الحريات، ويُعتقل المعارضون، وتعمل السلطة، يوما بعد يوم، على تهيئة شروط الخروج عن النظام الدستوري.بيرام ولد الداه ولد اعبيد13 سبتمبر 2026

زر الذهاب إلى الأعلى