موجات الحر القياسية ترفع المخاطر الصحية.. لماذا أصبحت أجسامنا أقل قدرة على تحمل الحرارة؟

تشهد مناطق واسعة من العالم موجات حر غير مسبوقة، مع تسجيل درجات حرارة قياسية في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما أدى إلى تزايد المخاوف الصحية، خاصة بين كبار السن والأطفال والمصابين بالأمراض المزمنة.
ويرى خبراء أن تغير المناخ وحده لا يفسر ارتفاع عدد حالات الإجهاد الحراري وضربات الشمس، بل تتداخل معه عوامل تتعلق بنمط الحياة والتحضر وانتشار السمنة والأمراض المزمنة، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف.
موجات حر أشد من المعتاد
شهدت دول أوروبية ارتفاعات كبيرة في درجات الحرارة خلال الصيف الحالي، إذ تجاوزت الحرارة معدلاتها الطبيعية بفوارق ملحوظة، بينما واصلت دول الشرق الأوسط تسجيل درجات تتجاوز 50 درجة مئوية في بعض المناطق.
وتشير تقديرات علمية إلى أن موجات الحر أصبحت أطول وأكثر تكرارًا، مع ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة النهارية والليلية خلال العقود الأخيرة، وهو ما يزيد الضغط على جسم الإنسان ويقلل فرص التعافي بين يوم وآخر.
لماذا أصبحت الحرارة أكثر خطورة؟
عندما تستمر درجات الحرارة المرتفعة لعدة أيام متتالية، خاصة مع ارتفاع الرطوبة، يواجه الجسم صعوبة متزايدة في التخلص من الحرارة الداخلية عبر التعرق وتبريد الجلد.
ومع استمرار هذا الضغط، قد ترتفع حرارة الجسم إلى مستويات تؤثر في وظائف القلب والكلى والدماغ، مما يزيد احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري أو ضربة الشمس، وقد يؤدي في الحالات الشديدة إلى الوفاة.
وتشير الدراسات إلى أن موجات الحر تتسبب في مئات الآلاف من الوفيات سنويًا حول العالم، خصوصًا بين الفئات الأكثر هشاشة.
هل أفقدنا التكييف قدرتنا على تحمل الحر؟
يرى عدد من الباحثين أن الاستخدام المكثف لأجهزة التكييف قد يكون أحد العوامل التي تقلل قدرة الجسم على التأقلم مع الحرارة، وإن كانت هذه الفرضية ما تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات.
فالإنسان يمتلك قدرة طبيعية على التكيف مع الأجواء الحارة عند التعرض لها بصورة منتظمة، لكن قضاء معظم ساعات اليوم داخل بيئات مكيفة قد يحد من هذا التأقلم، ويجعل الانتقال المفاجئ إلى الأجواء الخارجية أكثر صعوبة.
كما أدى الانتشار الواسع للمكيفات إلى زيادة استهلاك الكهرباء بصورة كبيرة، خاصة في دول الخليج والشرق الأوسط، مع توقع استمرار ارتفاع الطلب خلال السنوات المقبلة.
السمنة تزيد من مخاطر الإجهاد الحراري
تشير أبحاث طبية إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة أكثر عرضة للإصابة بالإجهاد الحراري، وذلك لعدة أسباب، منها:
- انخفاض كفاءة تبديد الحرارة من الجسم.
- زيادة العزل الحراري بسبب تراكم الدهون تحت الجلد.
- تراجع كفاءة تدفق الدم إلى الجلد للمساعدة في التبريد.
- ارتفاع حرارة الجسم الداخلية بوتيرة أسرع.
كما تشير بعض الدراسات إلى احتمال انخفاض الإحساس بدرجات الحرارة المرتفعة لدى بعض المصابين بالسمنة، إلا أن هذه الفرضية ما تزال بحاجة إلى مزيد من الأدلة العلمية.
المدن أكثر حرارة من المناطق الريفية
يسهم التوسع العمراني في زيادة الإحساس بالحرارة عبر ما يعرف بـ”الجزر الحرارية الحضرية”، حيث تمتص المباني والطرق الخرسانية والأسفلت حرارة الشمس خلال النهار، ثم تعيد إطلاقها ليلًا، مما يمنع انخفاض درجات الحرارة ويزيد الشعور بالإجهاد الحراري.
ولهذا تكون درجات الحرارة داخل المدن عادة أعلى من المناطق الزراعية أو الريفية المجاورة.
الأمراض المزمنة ترفع مستوى الخطر
تعد الفئات المصابة بالأمراض المزمنة الأكثر تأثرًا بموجات الحر، خصوصًا مرضى:
- القلب والأوعية الدموية.
- السكري.
- أمراض الجهاز التنفسي.
- أمراض الكلى.
وتكون قدرة الجسم لدى هؤلاء على تنظيم الحرارة أقل كفاءة، ما يزيد احتمالات الإصابة بمضاعفات خطيرة تستدعي العلاج في المستشفى.
كيف يمكن تقليل المخاطر؟
يوصي الخبراء باتباع مجموعة من الإجراءات للحد من تأثير موجات الحر، أبرزها:
- شرب كميات كافية من الماء بانتظام.
- تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة.
- ارتداء ملابس خفيفة وفاتحة اللون.
- البقاء في أماكن جيدة التهوية أو مكيفة عند اشتداد الحرارة.
- تقليل المجهود البدني في الأوقات الأكثر حرارة.
- متابعة كبار السن والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة بصورة مستمرة.
- طلب الرعاية الطبية فور ظهور أعراض مثل الدوار، أو الإغماء، أو ارتفاع حرارة الجسم، أو اضطراب الوعي.
ويؤكد المختصون أن تزايد موجات الحر نتيجة التغير المناخي يجعل التكيف مع هذه الظروف ضرورة صحية، عبر الجمع بين الإجراءات الفردية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز خطط الوقاية لحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.







