أمراض المناعة الذاتية.. لماذا تتزايد الإصابات وما علاقة النظام الغذائي الغربي؟

تشهد أمراض المناعة الذاتية انتشارا متزايدا في مختلف أنحاء العالم، لتصبح من أبرز التحديات الصحية التي تواجه الأنظمة الطبية، خاصة في الدول الصناعية، وسط محاولات علمية متواصلة لفهم أسباب هذا الارتفاع والعوامل التي تقف وراءه.
وتشير التقديرات إلى أن ما بين 8% و10% من سكان العالم يعانون أحد أمراض المناعة الذاتية، وهي مجموعة تضم نحو 150 مرضا، من أبرزها السكري من النوع الأول، والتهاب المفاصل الروماتويدي، وداء الأمعاء الالتهابي، والتصلب اللويحي، والذئبة الحمامية.
عبء صحي متزايد
تمثل أمراض المناعة الذاتية تحديا كبيرا للمرضى وأنظمة الرعاية الصحية، إذ لا يتوفر حتى الآن علاج نهائي لمعظم هذه الأمراض، ويقتصر العلاج على السيطرة على الأعراض باستخدام الأدوية المثبطة للمناعة، والتي غالبا ما يحتاج إليها المرضى لفترات طويلة.
ويؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف العلاج، فضلا عن زيادة احتمالات الآثار الجانبية والمضاعفات المرتبطة بالاستخدام المستمر لهذه الأدوية.
وتحذر تقديرات طبية من أن معدلات الإصابة بهذه الأمراض قد تستمر في الارتفاع خلال السنوات المقبلة، مما يزيد الضغوط على الأنظمة الصحية حول العالم.
كيف تتحول المناعة إلى عدو للجسم؟
في الحالات الطبيعية، يعمل الجهاز المناعي على حماية الجسم من الفيروسات والبكتيريا والعوامل المسببة للأمراض، إلا أن أمراض المناعة الذاتية تنشأ عندما يختل هذا النظام الدفاعي، فتبدأ الخلايا المناعية بمهاجمة أنسجة الجسم السليمة بدلا من حمايتها.
ويؤدي هذا الخلل إلى التهابات مزمنة وتلف تدريجي في الأعضاء المستهدفة، وتختلف طبيعة المرض تبعا للعضو الذي يتعرض للهجوم.
ورغم مرور أكثر من قرن على اكتشاف أول مرض مناعي ذاتي، فإن السبب الدقيق لهذه الاضطرابات لا يزال غير معروف حتى اليوم.
عوامل متعددة وراء الإصابة
يرى الباحثون أن العوامل الوراثية تسهم في نحو 30% من حالات الإصابة، بينما ترتبط النسبة الأكبر بعوامل أخرى تشمل:
- الاستعداد الوراثي.
- العوامل البيئية.
- الاختلافات الهرمونية.
- الجنس.
- نمط الحياة والعادات الغذائية.
ويعتقد العلماء أن التفاعل بين هذه العوامل هو ما يؤدي في النهاية إلى اضطراب الجهاز المناعي.
النظام الغذائي الغربي تحت المجهر
يُعد النظام الغذائي الغربي من أكثر العوامل التي يركز عليها الباحثون عند دراسة الارتفاع المتزايد في أمراض المناعة الذاتية.
ويتميز هذا النظام بالإفراط في تناول:
- الأطعمة المصنعة.
- الوجبات السريعة.
- اللحوم المصنعة.
- الدهون المشبعة.
- السكريات المضافة.
- المشروبات المحلاة.
- الحبوب المكررة.
- الأغذية المعلبة والمقلية.
وأظهرت عدة دراسات وجود ارتباط بين هذا النمط الغذائي وارتفاع خطر الإصابة ببعض أمراض المناعة الذاتية، وخاصة الأمراض التي تصيب الجهاز الهضمي مثل مرض كرون والتهاب القولون التقرحي.
أبحاث حول الحليب والتصلب اللويحي
كما أثارت دراسات حديثة فرضيات حول احتمال وجود علاقة بين استهلاك حليب الأبقار وخطر الإصابة بمرض التصلب اللويحي، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية التي تصيب الجهاز العصبي.
ورغم أن الباحثين طرحوا تفسيرات بيولوجية محتملة لهذه العلاقة، فإنهم أكدوا أن الأدلة الحالية لا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، وأن الأمر لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات العلمية.
تأثير الأغذية المصنعة على المناعة
تشير أبحاث حديثة إلى أن الاعتماد لفترات طويلة على الأغذية المصنعة منخفضة الألياف والغنية بالدهون والسكريات يؤدي إلى تغيرات في عملية التمثيل الغذائي ووظائف الجهاز المناعي.
كما يؤثر هذا النمط الغذائي في توازن البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، ويضعف الحاجز المعوي، مما قد يحفز استجابات التهابية مزمنة تسهم في زيادة احتمالات الإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
ويرى الباحثون أن اضطراب الميكروبيوم المعوي أصبح أحد المحاور الرئيسية لفهم العلاقة بين التغذية وصحة الجهاز المناعي.
الحاجة إلى مزيد من الأدلة
ورغم تزايد الدراسات التي تربط بين النظام الغذائي الغربي وأمراض المناعة الذاتية، يؤكد الباحثون أن معظم الأدلة الحالية تُظهر وجود ارتباطات إحصائية، لكنها لا تثبت بشكل قاطع أن هذا النمط الغذائي هو السبب المباشر للإصابة.
ولهذا، يدعو العلماء إلى إجراء المزيد من الدراسات طويلة الأمد لتحديد العوامل المؤثرة بدقة، ووضع استراتيجيات وقائية تسهم في الحد من تزايد هذه الأمراض وتحسين جودة حياة المصابين بها.







