هل يلتهم الذكاء الاصطناعي نموذج البرمجيات التقليدي؟ مؤشرات على تحول تاريخي في صناعة التقنية

شهد قطاع البرمجيات خلال الأشهر الماضية تطورات متسارعة دفعت كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي لا يغيّر المنتجات الرقمية فحسب، بل يعيد صياغة نموذج الأعمال الذي اعتمدت عليه شركات البرمجيات طوال أكثر من عقدين.
وجاء هذا الجدل بعد إعلان مارك بينيوف، الرئيس التنفيذي لشركة “سيلزفورس”، في 25 فبراير/شباط الماضي عن مفهوم جديد يحمل اسم “وحدات قياس العمل الذكية” (Agentic Work Units)، وهو معيار يعتمد على احتساب المهام التي تنفذها وكلاء الذكاء الاصطناعي بدلا من فرض رسوم اشتراك ثابتة على كل مستخدم.
ويعني هذا النموذج أن المؤسسات قد تدفع مستقبلا مقابل حجم العمل الذي تنجزه الأنظمة الذكية، وليس مقابل عدد الموظفين الذين يستخدمون البرمجيات، وهو تحول قد يغيّر أحد أكثر نماذج التسعير انتشارا في قطاع البرمجيات.
من الاشتراك الشهري إلى الدفع مقابل الإنجاز
اعتمدت صناعة البرمجيات السحابية منذ بدايتها على نموذج “السعر لكل مستخدم”، حيث تدفع الشركات اشتراكا شهريا أو سنويا عن كل موظف يستخدم الخدمة.
وساهم هذا النموذج في بناء سوق البرمجيات كخدمة (SaaS)، الذي نما ليصبح أحد أكبر قطاعات التكنولوجيا في العالم، مع اعتماد آلاف المؤسسات على برامج متخصصة لإدارة المبيعات والموارد البشرية والمحاسبة والتسويق وخدمة العملاء.
لكن مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي، بدأت تظهر رؤية مختلفة تقوم على تنفيذ المهام بصورة مستقلة، مما يقلل الحاجة إلى تشغيل عدد كبير من التطبيقات المتخصصة أو تدخل المستخدم في كل خطوة.
إعلان أنثروبيك أشعل مخاوف الأسواق
قبل إعلان “سيلزفورس” بأسابيع، نشرت شركة “أنثروبيك” مجموعة ملفات مفتوحة المصدر على منصة “غيت هاب”، صُممت لتوجيه نموذج “كلود” نحو تنفيذ أعمال متنوعة تشمل مراجعة العقود القانونية، وتحليل الامتثال التنظيمي، وإعداد ملفات المبيعات، وإدارة المعرفة داخل الشركات، إضافة إلى مهام التسويق وصناعة المحتوى.
ورغم أن الخطوة بدت تقنية في ظاهرها، فإن الأسواق تعاملت معها باعتبارها مؤشرا على اقتراب مرحلة تستطيع فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي تنفيذ وظائف كانت تعتمد سابقا على برامج متخصصة عديدة.
خسائر ضخمة في شركات البرمجيات
بعد أيام قليلة من تلك الخطوة، تعرضت أسهم شركات البرمجيات لضغوط قوية، حيث فقد القطاع مئات المليارات من الدولارات من قيمته السوقية خلال جلسات تداول متتالية.
وشهدت شركات بارزة مثل سيلزفورس وأدوبي وكراود سترايك تراجعات ملحوظة، كما امتدت موجة الهبوط إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية، في وقت وصف فيه بعض المحللين ما حدث بأنه بداية إعادة تقييم شاملة لقطاع البرمجيات.
ويرى خبراء أن الأسواق لم تكن تعاقب منتجات بعينها، بل كانت تعيد النظر في مستقبل نموذج الاشتراكات التقليدي إذا أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ المهام مباشرة.
فرضية “البرمجيات تلتهم العالم”
في عام 2011، طرح المستثمر الأمريكي مارك أندريسن فكرة شهيرة مفادها أن البرمجيات ستصبح أساس كل الصناعات الحديثة، وهو ما تحقق فعليا خلال العقد الماضي مع تحول الخدمات المالية والتجارة والإعلام والتعليم والنقل إلى منصات رقمية.
وخلال تلك الفترة نما سوق البرمجيات بصورة هائلة، وأصبحت المؤسسات تعتمد على مئات التطبيقات المختلفة لإدارة أعمالها اليومية.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال دخول الصناعة مرحلة جديدة، إذ لم يعد الهدف امتلاك أدوات متعددة، بل الاعتماد على وكيل ذكي يستطيع تنفيذ سلسلة كاملة من المهام باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون قواعد اللعبة
يختلف وكيل الذكاء الاصطناعي عن برامج المساعدة التقليدية، إذ يمكنه تنفيذ خطوات متعددة بصورة مستقلة، واتخاذ قرارات ضمن حدود معينة، والتعامل مع تطبيقات مختلفة في الوقت نفسه لإنجاز مهمة كاملة دون تدخل مستمر من المستخدم.
وهذا التطور يفتح الباب أمام تقليل الحاجة إلى عدد كبير من البرامج المنفصلة، وهو ما يفسر القلق الذي بدأ يظهر في أوساط شركات البرمجيات.
هل يختفي نموذج SaaS؟
لا يتوقع معظم الخبراء اختفاء البرمجيات كخدمة خلال المدى القريب، لكنها قد تدخل مرحلة تحول تدريجي.
فبدلا من بيع أدوات منفصلة لكل قسم داخل المؤسسة، قد تتحول الشركات إلى بيع خدمات تعتمد على إنجاز المهام، بحيث يصبح العميل مهتما بالنتيجة النهائية أكثر من اهتمامه بالبرنامج المستخدم لتحقيقها.
وفي هذا السيناريو، قد يصبح الدفع مقابل العمل المنجز أو عدد المهام المنفذة بديلا تدريجيا عن نموذج الاشتراك التقليدي لكل مستخدم.
مستقبل الصناعة
يرى محللون أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد تقنية جديدة، بل قد يكون بداية لتغيير جذري في الطريقة التي تُبنى بها شركات البرمجيات وتحقق إيراداتها.
وبينما لا تزال البرمجيات التقليدية تحتفظ بمكانتها في مختلف القطاعات، فإن الاتجاه نحو وكلاء الذكاء الاصطناعي يشير إلى أن السنوات المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل واسعة لسوق التكنولوجيا، حيث تصبح القيمة الحقيقية في إنجاز العمل نفسه، لا في عدد التراخيص أو المستخدمين.







