الأخبار الدولية

الأزمة اليمنية والتصعيد الإيراني.. هل يقترب الصراع من مرحلة جديدة؟

شهدت الأزمة المرتبطة بطائرة “ماهان إير” الإيرانية تطورا اعتبره كثير من المراقبين تحولا لافتا في طبيعة انخراط طهران في الملف اليمني، إذ يرى أصحاب هذا الرأي أن إيران انتقلت من سياسة الدعم غير المباشر إلى إظهار حضور أكثر وضوحا في المشهد، بعد سنوات اعتمدت خلالها على قنوات سياسية ودبلوماسية ولوجستية لتقديم الدعم لحليفها الحوثي، مع تجنب الظهور المباشر في تفاصيل الصراع.

ومنذ اندلاع أولى جولات الحرب في اليمن عام 2004، أعلنت إيران تأييدها السياسي والإعلامي لجماعة الحوثي، قبل أن تكون الدولة الوحيدة التي اعترفت بسلطتها في صنعاء عقب إعلانها الدستوري عام 2015، كما عينت سفيرا لها لدى الجماعة، في حين ظل الدعم العسكري واللوجستي، بحسب تقارير عديدة، بعيدا عن الإعلان الرسمي.

دعم غير معلن وتحولات في الموقف الإيراني

ويرى مراقبون أن طهران حرصت خلال السنوات الماضية على إبقاء دورها في اليمن ضمن حدود الدعم اللوجستي والمالي وإرسال الخبراء، مع تجنب أي إعلان مباشر قد يزيد من حدة التوتر مع دول الخليج.

وخلال تلك الفترة، اتهمت تقارير دولية إيران بتقديم دعم عسكري للحوثيين في محطات مختلفة، بينها معارك مأرب بين عامي 2020 و2022، بينما كانت في الوقت ذاته تعلن تأييدها للمساعي الأممية الهادفة إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية.

كما دعمت إيران الهدنة التي أعلنت في أبريل/نيسان 2022، ثم أيدت اتفاق بكين مع المملكة العربية السعودية في مارس/آذار 2023، والذي اعتبر آنذاك خطوة مهمة نحو تهدئة التوترات الإقليمية وتهيئة الظروف لإنهاء الحرب في اليمن.

طوفان الأقصى أعاد خلط الأوراق

لكن المشهد تغير بصورة كبيرة بعد اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ توسعت المواجهات الإقليمية وانخرطت أطراف محسوبة على ما يعرف بمحور المقاومة في عمليات عسكرية مباشرة، قبل أن تتطور الأحداث لاحقا إلى مواجهة مفتوحة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وفي خضم هذه التطورات، اعتبر مراقبون أن تسيير طائرة تابعة لشركة “ماهان إير” إلى مطار صنعاء، لنقل وفد من جماعة الحوثي للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي ثم إعادته، مثل رسالة سياسية مباشرة تعكس رغبة طهران في إظهار حضورها العلني في الملف اليمني.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن إيران كان بإمكانها استخدام قنوات دبلوماسية أو وساطات إقليمية لإنجاز المهمة، إلا أنها فضلت القيام بها بصورة مباشرة، في خطوة فسرت على أنها إعلان واضح عن انخراطها في الأزمة اليمنية.

ردود فعل اتسمت بضبط النفس

في المقابل، اتسمت ردود فعل الحكومة اليمنية والتحالف العربي بالهدوء، حيث أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي الحرص على عدم استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية، مع التشديد على أن تكرار مثل هذه الخطوات لن يمر دون رد.

ويرى محللون أن هذا الموقف حال دون انزلاق الأزمة إلى مواجهة أوسع، خاصة أن أي استهداف للطائرة كان قد يؤدي إلى تداعيات إقليمية ودولية واسعة، في ظل حساسية المرحلة التي تشهدها المنطقة.

كما تزامن ذلك مع استمرار الجهود الأممية لإحياء مسار السلام، واستكمال تنفيذ اتفاقات تبادل الأسرى، ومحاولة إعادة الزخم إلى خارطة الطريق الخاصة بالتسوية السياسية في اليمن.

مخاوف من اتساع رقعة المواجهة

ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة الأخيرة، تتزايد التوقعات بإمكانية عودة التصعيد العسكري في اليمن، سواء عبر تنشيط الجبهات الداخلية أو توسيع العمليات المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ويعتقد عدد من المحللين أن طهران قد تلجأ إلى استخدام حلفائها الإقليميين لتخفيف الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها، وهو ما قد ينعكس على مسار الصراع في اليمن خلال المرحلة المقبلة.

السلام أم الحسم العسكري؟

ورغم استمرار التوتر، لا يزال خيار التسوية السياسية يحظى بدعم الحكومة اليمنية والمملكة العربية السعودية، مع منح الجهود الدبلوماسية فرصة إضافية للتوصل إلى اتفاق ينهي سنوات الحرب.

في المقابل، يرى مراقبون أن جماعة الحوثي لا تزال بعيدة عن القبول بتسوية شاملة تستند إلى المرجعيات الدولية، في حين تواجه تحديات عسكرية وسياسية تجعل الحسم الميداني أمرا معقدا بالنسبة لجميع الأطراف.

وفي الوقت ذاته، يشير متابعون إلى أن الحكومة اليمنية أعادت خلال السنوات الأخيرة تنظيم قواتها العسكرية وتوحيد جانب كبير من تشكيلاتها، مستفيدة من الهدنة التي بدأت عام 2022، إلى جانب الدعم السعودي، وهو ما يعتبره البعض تطورا قد يغير موازين القوى إذا تعثرت جهود السلام.

مستقبل الأزمة اليمنية

تبقى جميع السيناريوهات مطروحة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي، إذ يرى مراقبون أن استمرار التصعيد بين إيران والولايات المتحدة قد ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اليمنية، بينما يظل خيار السلام، رغم صعوبته، المسار الأقل كلفة لجميع الأطراف.

ويؤكد كثير من المحللين أن تحقيق الاستقرار في اليمن يتطلب توافقا داخليا، إلى جانب بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار، بما يسهم في إنهاء الصراع وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد بعد سنوات طويلة من الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى