كيف يؤثر الإفراط في استخدام الهواتف الذكية على الدماغ والنوم؟

أصبحت الهواتف الذكية جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، بعد أن تحولت من وسيلة اتصال إلى أداة يعتمد عليها الناس في العمل والتعلم والتسوق والترفيه وإدارة مختلف شؤونهم. ومع هذا الانتشار الواسع، بدأت الأبحاث العلمية تسلط الضوء على الآثار الصحية والسلوكية المرتبطة بالإفراط في استخدامها، خاصة على النوم والتركيز والصحة النفسية.
انتشار غير مسبوق للهواتف الذكية
منذ ظهور أول هاتف ذكي عام 1993، ثم انتشار شبكات الجيل الثالث مطلع الألفية، شهد العالم طفرة رقمية غير مسبوقة. وتشير التقديرات إلى أن عدد مستخدمي الهواتف الذكية بلغ نحو 6.93 مليارات شخص خلال عام 2024، أي ما يعادل نحو ثلاثة أرباع سكان العالم، مع توقعات بارتفاع العدد إلى نحو 7.7 مليارات مستخدم بحلول عام 2028.
ورغم الفوائد الكبيرة التي وفرتها هذه الأجهزة، فإن الاستخدام المفرط لها بات يرتبط بمشكلة متزايدة تعرف بإدمان الهواتف الذكية.
الملل يقود إلى الإفراط في الاستخدام
أسهمت تطبيقات التواصل الاجتماعي والألعاب والمنصات الرقمية في تحويل الهاتف إلى وسيلة للهروب من الملل، حيث يقضي المستخدم العادي نحو 4 ساعات و37 دقيقة يوميًا أمام شاشة هاتفه.
وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من نصف مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي يلجؤون إليها بدافع الشعور بالملل، فيما تصل نسبة من يعانون من أنماط استخدام مرضية للهواتف الذكية إلى نحو 27% في عشرات الدول، مع ارتفاع النسبة بين فئة الشباب.
كيف يؤثر الهاتف على الساعة البيولوجية؟
يعتمد الجسم على ساعة بيولوجية داخلية تنظم مواعيد النوم والاستيقاظ وإفراز الهرمونات ودرجة حرارة الجسم، وتتأثر هذه الساعة بشكل مباشر بالضوء.
ويؤدي التعرض للضوء الأزرق المنبعث من شاشات الهواتف خلال ساعات الليل إلى إرسال إشارات للدماغ توحي بأن النهار لا يزال مستمرًا، مما يثبط إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، ويؤخر الشعور بالنعاس، ويؤثر في جودة النوم.
القراءة من الهاتف ليست كالكتاب الورقي
أظهرت دراسات حديثة أن استخدام الهاتف قبل النوم يؤدي إلى انخفاض مستويات الميلاتونين، واضطراب تنظيم حرارة الجسم، وتحفيز إفراز هرمون الكورتيزول المرتبط باليقظة، كما قد يؤثر في النشاط الكهربائي للدماغ، وهو ما ينعكس على جودة النوم والقدرة على الاسترخاء.
في المقابل، لا تُحدث القراءة من الكتب الورقية التأثيرات نفسها، ما يجعلها خيارًا أفضل خلال الفترة المسائية.
النوم أول المتضررين
أكدت مراجعات علمية حديثة أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية يرتبط بتراجع جودة النوم، وتأخر وقت الاستغراق فيه، وكثرة الاستيقاظ أثناء الليل، إضافة إلى زيادة الشعور بالنعاس خلال ساعات النهار.
كما أظهرت دراسات فسيولوجية أن استخدام الهاتف داخل السرير يرفع معدل ضربات القلب، ويؤدي إلى نوم أكثر تقطعًا، فضلاً عن تأخير موعد النوم بشكل ملحوظ.
تراجع التركيز والإنتاجية
لا يقتصر تأثير الهاتف الذكي على النوم فقط، بل يمتد إلى وظائف الدماغ والانتباه. فالإشعارات المتكررة والرسائل والمحتوى السريع تؤدي إلى تشتيت الانتباه بصورة مستمرة، حتى إن مجرد سماع صوت الإشعار قد يحفز استجابة عصبية مشابهة لسماع الشخص لاسمه.
وتشير الدراسات إلى أن استخدام الهاتف أثناء العمل أو الدراسة قد يضاعف الوقت اللازم لإنجاز المهام عدة مرات، نتيجة الانقطاعات المتكررة وصعوبة استعادة التركيز.
كما أظهرت أبحاث حديثة وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام الهواتف الذكية وتراجع الأداء المعرفي وضعف التركيز، خاصة بين فئة الشباب.
كيف يمكن الحد من الآثار السلبية؟
ينصح الخبراء باتباع مجموعة من العادات التي تساعد على تقليل تأثير الهواتف الذكية على الدماغ والنوم، من أبرزها:
- تجنب استخدام الهاتف قبل النوم بساعة على الأقل.
- عدم إبقاء الهاتف داخل غرفة النوم أو بجوار السرير.
- استخدام مرشحات الضوء الأزرق خلال ساعات المساء.
- تقليل الإشعارات غير الضرورية لتخفيف التشتت.
- تخصيص أوقات محددة لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي.
- استبدال تصفح الهاتف قبل النوم بقراءة كتاب أو ممارسة نشاط يساعد على الاسترخاء.
ويرى الباحثون أن الاستخدام المتوازن للتكنولوجيا يظل الخيار الأفضل، إذ يمكن الاستفادة من مزايا الهواتف الذكية دون الوقوع في آثارها السلبية على النوم والصحة الذهنية والإنتاجية اليومية.







