تقنية

خبراء يحذرون من مخاطر الذكاء الاصطناعي على مستقبل الرياضيات وأسسها العلمية

يرى كثيرون أن الرياضيات تقتصر على حل المسائل أو الوصول إلى الإجابات الصحيحة، إلا أن المتخصصين يؤكدون أن جوهر هذا العلم يقوم على البرهان، والفهم، والتحقق، والتراكم المنهجي للمعرفة، وهو ما يجعل دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال يثير تساؤلات تتجاوز الجانب التقني إلى أبعاد معرفية وأخلاقية.

وفي هذا السياق، أصدرت مجموعة دولية من الباحثين ما يعرف بـ”إعلان لايدن حول الذكاء الاصطناعي والرياضيات”، محذرة من أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة جديدة، بل يفرض تحديات قد تؤثر في القيم الأساسية التي يقوم عليها البحث الرياضي.

البرهان.. أساس الرياضيات

يشير الإعلان إلى أن الخطورة لا تكمن في استخدام الحواسيب أو الخوارزميات، فهذه الأدوات كانت جزءا من العمل الرياضي لعقود، وإنما في ظهور أنظمة قادرة على توليد براهين رياضية، واقتراح أفكار جديدة، وصياغة مسودات بحثية، بل وحتى المساهمة في مراجعة الأبحاث، أحيانا بثقة قد تخفي أخطاء يصعب اكتشافها.

وفي الرياضيات، لا تكتسب النتيجة قيمتها من صحتها فقط، بل من البرهان الذي يثبتها ويتيح للباحثين فهم أسباب صحتها. لذلك يحذر الخبراء من أن بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج براهين تبدو منطقية ومتماسكة، لكنها تحتوي على أخطاء دقيقة قد تمر دون ملاحظة.

ويؤكد الباحثون أن تسرب مثل هذه الأخطاء إلى الأدبيات العلمية قد يؤدي إلى بناء نتائج لاحقة على أسس غير سليمة، وهو ما يمثل خطرا كبيرا في علم يعتمد على ترابط النظريات وتراكمها، إذ يمكن لخطأ واحد أن يمتد تأثيره إلى عدد كبير من الأبحاث اللاحقة.

تحديات تتعلق بحقوق الباحثين

ومن بين أبرز المخاطر التي يسلط عليها الإعلان الضوء قضية الإسناد العلمي والاعتراف بأصحاب الأفكار.

فالرياضيات، مثل بقية العلوم، تقوم على البناء فوق جهود الباحثين السابقين، بينما تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي على التدريب باستخدام كميات هائلة من النصوص والأبحاث، وقد تعيد إنتاج أفكار أو أساليب برهانية دون الإشارة إلى مصادرها الأصلية.

ويرى الخبراء أن هذه المشكلة لا تتعلق بحقوق الملكية الفكرية فقط، بل تمس الثقة في النظام العلمي، لأن الاعتراف بالمساهمات السابقة يعد جزءا أساسيا من آلية تطوير المعرفة.

مخاوف من اتساع الفجوة بين الباحثين

ويتناول الإعلان أيضا خطر تزايد التفاوت بين المؤسسات العلمية، إذ قد تصبح القدرة على إجراء أبحاث رياضية متقدمة مرتبطة بالحصول على أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي وأعلى القدرات الحاسوبية.

وفي هذه الحالة، قد يتمتع الباحثون في الجامعات الغنية أو المؤسسات المدعومة من شركات التكنولوجيا بميزات لا تتوفر للباحثين في الجامعات الأقل إمكانات، وهو ما قد يحد من مبدأ تكافؤ الفرص الذي طالما ميز البحث الرياضي.

كما يثير الخبراء تساؤلات بشأن الاعتماد على أدوات مملوكة لشركات خاصة، في ظل غياب الشفافية الكاملة حول آليات عملها والبيانات التي دُربت عليها وحدود قدراتها.

الضجيج الإعلامي وتشويه الصورة العلمية

ويرى معدو الإعلان أن أحد التحديات يتمثل في المبالغة الإعلامية التي ترافق إنجازات الذكاء الاصطناعي، حيث يجري أحيانا تقديم هذه الأنظمة على أنها بديل كامل للباحثين.

ويؤكد الخبراء أن الرياضيات لا تُبنى على العناوين المثيرة، بل على المراجعة الدقيقة والتحقق المستمر، وأن دور الباحث البشري يظل محوريا في صياغة الأسئلة، وتفسير النتائج، والتأكد من صحتها.

ويحذر الإعلان من أن هذا التضخيم الإعلامي قد يؤثر في أولويات تمويل الأبحاث، إذا ساد الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي قادر بمفرده على إنتاج المعرفة العلمية.

الحفاظ على استقلالية الرياضيات

أما الخطر الذي يعتبره الإعلان الأكثر عمقا، فهو احتمال فقدان الرياضيات لاستقلالها في اختيار موضوعات البحث.

فعلى مدى تاريخها، تطورت الرياضيات بدافع الفضول العلمي والسعي إلى الفهم والجمال المنطقي، لكن هيمنة الأدوات التقنية أو المصالح التجارية قد تدفع الباحثين إلى التركيز على الموضوعات التي تتوافق مع قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي أو تحظى بتمويل أكبر، بدلا من الأسئلة العلمية الأكثر أهمية.

ويخشى الخبراء أن يؤدي ذلك إلى توجيه مسار البحث الرياضي وفقا لأولويات الشركات أو الجهات الممولة، بدلا من الاحتياجات العلمية الحقيقية.

استخدام مسؤول بدلا من المنع

ورغم هذه التحذيرات، لا يدعو “إعلان لايدن” إلى حظر استخدام الذكاء الاصطناعي في الرياضيات، بل يؤكد أن هذه التقنيات يمكن أن تقدم فوائد كبيرة، مثل المساعدة في استكشاف الأفكار الأولية، وفحص عدد كبير من الحالات، واقتراح أمثلة مضادة، وتسريع بعض مراحل الكتابة والمراجعة.

لكن الباحثين يشددون على ضرورة الالتزام بالشفافية في استخدام هذه الأدوات، من خلال توضيح طبيعة الأنظمة المستخدمة، وكيفية توظيفها، وحدود مساهمتها في العمل العلمي، مع التأكيد أن المسؤولية النهائية عن صحة النتائج والأبحاث يجب أن تبقى بيد الإنسان، لا بيد الذكاء الاصطناعي.

زر الذهاب إلى الأعلى