هدايا أردوغان لقادة الناتو.. مسدسات تركية تحمل رسائل سياسية وعسكرية

لم تقتصر الهدايا التي قدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ختام قمة أنقرة على الطابع البروتوكولي، بل حملت أبعاداً سياسية وعسكرية عكست سعي أنقرة إلى إبراز مكانتها كقوة صناعية ودفاعية مؤثرة داخل الحلف.
واختار أردوغان إهداء القادة مسدسات تركية الصنع منقوشاً على كل منها اسم الزعيم الذي تسلمها، مرفقة بذخيرة حية ووثائق تصدير رسمية تسمح بنقلها إلى بلدانهم، في خطوة اعتبرها مراقبون رسالة تؤكد تطور الصناعات الدفاعية التركية ودورها المتنامي في السياسة الخارجية لأنقرة.
وعلى الصعيد الداخلي، تنسجم هذه المبادرة مع الخطاب الذي يركز على تقديم تركيا باعتبارها دولة مستقلة تمتلك قدرات صناعية وعسكرية متقدمة، في وقت أصبحت فيه الصناعات الدفاعية إحدى أبرز أدوات النفوذ التركي خارجياً.
هدية أثارت الجدل
وكشف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن جميع القادة المشاركين في القمة السادسة والثلاثين لحلف الناتو، التي استضافتها أنقرة، تلقوا مسدسات شخصية تحمل أسماءهم، إلى جانب صناديق ذخيرة ورسالة موقعة من الرئيس التركي ووثائق رسمية لتسهيل تصدير السلاح.
وأوضح ستارمر، خلال حديثه للصحفيين أثناء عودته إلى بريطانيا، أنه لم يتمكن من إدخال المسدس إلى بلاده بسبب القوانين البريطانية الصارمة الخاصة بحيازة الأسلحة النارية، مشيراً إلى أن الهدية تضمنت أيضاً عدة تنظيف و500 طلقة ذخيرة.
وبحسب تقارير صحفية، بقي المسدس داخل السفارة البريطانية في أنقرة بانتظار استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، بما يتوافق مع التشريعات البريطانية التي تشدد القيود على المسدسات منذ حادثة دانبلين عام 1996.
ردود فعل متباينة بين القادة
ولم يكن رئيس الوزراء البريطاني الوحيد الذي واجه صعوبة في التعامل مع الهدية.
فقد سلّم رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر المسدس إلى شرطة مطار بروكسل بعد اكتشاف وجوده داخل أمتعته، بينما اصطحب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني السلاح معه، لكنه ترك الذخيرة في تركيا.
أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فاختار إبقاء المسدس في العاصمة التركية، في حين بقي السلاح المخصص للرئيس البولندي كارول ناوروتسكي بانتظار استكمال الإجراءات الجمركية قبل تسلمه.
وفي هولندا والسويد، نُقلت المسدسات إلى سفارتي البلدين في أنقرة، مع قرار بتعطيل المسدس الهولندي بشكل دائم، بينما يخضع السلاح السويدي لإجراءات الاستيراد القانونية.
كما تلقت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الهدية نفسها، وأعلنت فون دير لاين أنها ستتبرع بالمسدس إلى متحف عسكري بعد تعطيله، فيما سيخضع سلاح كوستا للإجراءات الأمنية المعتمدة في بلجيكا.
وفي المقابل، قررت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني الاحتفاظ بالمسدس ضمن مقتنيات الهدايا الرسمية للحكومة الإيطالية، بينما أعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس عزمه التبرع به إلى متحف الحرب في أثينا.
استعراض للصناعة العسكرية التركية
وأظهرت صور نشرها مكتب الرئيس الليتواني غيتاناس ناوسيدا أن الهدية عبارة عن مسدس دوار من طراز “غوموشاي 357 ماغنوم”، وهو أحد الأسلحة التي طورتها شركة الصناعات العسكرية التركية “إم كيه إي” خلال تسعينيات القرن الماضي.
ووُضع المسدس داخل صندوق خشبي يحمل العلم التركي وشعار حلف الناتو، إلى جانب لوحة تعريفية باللغتين التركية والإنجليزية تؤكد أنه أول مسدس دوار يُنتج في تركيا.
وأكد مسؤولون أن جميع القادة تلقوا الطراز نفسه مع نقش أسمائهم على السلاح، في إشارة رمزية إلى القدرات الصناعية الدفاعية التركية.
رسالة تتجاوز قيمة الهدية
ويرى مراقبون أن اختيار هذا الطراز لم يكن عشوائياً، بل جاء ليعكس تطور الصناعات العسكرية التركية التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أعمدة السياسة الخارجية لأنقرة، بعد النجاح الكبير الذي حققته منتجاتها الدفاعية، ولا سيما الطائرات المسيّرة، في أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وجاءت هذه المبادرة على هامش قمة ناقشت ملفات ترتبط مباشرة بالأمن والدفاع، من بينها زيادة الإنفاق العسكري للدول الأعضاء، ومستقبل الدعم الغربي لأوكرانيا، والتعاون في مجالات الصناعات الدفاعية وتجارة السلاح.
وتعزز هذه الرسالة مكانة تركيا كأحد أبرز منتجي ومصدري الأسلحة الخفيفة، إذ تشير بيانات مشروع “مسح الأسلحة الصغيرة” في جنيف إلى أنها احتلت المرتبة الثالثة عالمياً في صادرات الأسلحة الصغيرة خلال الفترة بين عامي 2019 و2024، بصادرات بلغت نحو ثلاثة مليارات دولار، خلف الولايات المتحدة وإيطاليا.







