اقتصاد

خبراء: تأخر تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية يحرم القارة من مكاسب اقتصادية ضخمة

بعد مرور ثماني سنوات على توقيع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في كيغالي، وسبع سنوات على دخولها حيز التنفيذ، لا يزال أكبر مشروع للتكامل الاقتصادي في أفريقيا يواجه تحديات كبيرة تعيق تطبيقه الكامل، وسط تحذيرات من اتساع الخسائر التي تتحملها القارة في مجالات التجارة والاستثمار والتصنيع والأمن الغذائي.

وخلال الدورة الرابعة لمنتدى مراكش الاقتصادي البرلماني للمنطقة الأورو-متوسطية والخليج العربي، دعا خبراء ومسؤولون أفارقة إلى تسريع تنفيذ الاتفاقية، مؤكدين أن استمرار التأخير يحرم الدول الأفريقية من فرص تنموية واقتصادية كبيرة.

وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز حرية انتقال السلع والخدمات بين الدول الأفريقية، وزيادة اندماج القارة في الاقتصاد العالمي، فيما تشير تقديرات إلى أن المشروع قد يرفع حجم الاقتصاد الأفريقي إلى نحو 29 تريليون دولار بحلول عام 2050.

التجارة البينية لا تزال دون الطموحات

أظهر تقرير التجارة الأفريقية لعام 2026 الصادر عن البنك الأفريقي للتصدير والاستيراد ارتفاع تجارة السلع الأساسية بنسبة 6.1% لتصل إلى نحو 1.5 تريليون دولار، كما نمت التجارة البينية الأفريقية بنسبة 5.5% لتبلغ نحو 213.8 مليار دولار.

ورغم هذا التحسن، فإن التجارة بين الدول الأفريقية لا تزال تمثل نحو 15% فقط من إجمالي تجارة القارة، بينما تستحوذ الأسواق الآسيوية والأوروبية على النصيب الأكبر من المبادلات التجارية الخارجية.

ويرى الخبير الاقتصادي الموريتاني سيد الخير عمرو أن هذه الأرقام تعكس استمرار اعتماد معظم الاقتصادات الأفريقية على الشركاء الخارجيين، وهو ما يحد من قدرة القارة على بناء سلاسل قيمة إقليمية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

وأضاف أن التطبيق الكامل لاتفاقية التجارة الحرة يمكن أن يرفع حجم التجارة البينية بأكثر من 52% بمجرد إزالة الرسوم الجمركية بشكل كامل.

من جهته، أكد رئيس المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، رشيد ساري، أن القارة تمتلك إمكانات اقتصادية هائلة، إلا أنها لا تزال تساهم بنسبة لا تتجاوز 1% في الاقتصاد العالمي، رغم ما تزخر به من ثروات معدنية وموارد طبيعية استراتيجية.

ملفات لا تزال عالقة

لا تزال عدة ملفات أساسية تعيق التنفيذ الكامل للاتفاقية، أبرزها عدم الانتهاء من قواعد المنشأ الخاصة بقطاعات مهمة مثل السيارات والمنسوجات، وتأخر العديد من الدول في دمج جداول إزالة الرسوم الجمركية ضمن أنظمتها الحدودية، إلى جانب استمرار المفاوضات بشأن بروتوكولات الخدمات والاستثمار والتجارة الإلكترونية.

وأوضح الخبير الدولي في التنمية الاجتماعية والاقتصادية ونائب رئيس مجلس المستشارين المغربي، لحسن حداد، أن بطء التنفيذ يعود إلى مجموعة من التحديات المتداخلة، في مقدمتها ضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل داخل القارة، حيث يصبح تصدير المنتجات إلى أوروبا في كثير من الأحيان أسهل وأقل تكلفة من تصديرها إلى دولة أفريقية مجاورة.

وأشار أيضاً إلى استمرار الحواجز غير الجمركية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، واختلاف المواصفات الفنية والصحية بين الدول، إضافة إلى مخاوف بعض الحكومات من تأثير فتح الأسواق على الصناعات المحلية والإيرادات الجمركية.

كما لفت إلى ضعف أنظمة الدفع والتحويل المالي بين الدول الأفريقية، فضلاً عن بطء مواءمة التشريعات الوطنية مع متطلبات الاتفاقية.

عقبات أمنية واقتصادية

بدوره، أشار سيد الخير عمرو إلى أن الاضطرابات الأمنية والنزاعات السياسية في بعض مناطق القارة تؤثر سلباً على ثقة المستثمرين وتعرقل تنفيذ الاتفاقية.

وأضاف أن البيروقراطية، وتعدد الإجراءات، واختلاف المعايير الفنية، إلى جانب الفساد الإداري، تمثل عوائق إضافية أمام انسياب السلع والخدمات بين الدول.

كما اعتبر أن اعتماد معظم الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة يقلل من فرص التكامل الاقتصادي، في وقت تحتاج فيه القارة إلى استثمارات كبيرة في البنية التحتية وتعزيز القدرات المؤسسية لتطبيق الاتفاقية بصورة فعالة.

وفي السياق ذاته، رأى رشيد ساري أن أفريقيا ما زالت تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين، سواء عبر علاقاتها التقليدية مع القوى الاستعمارية السابقة أو من خلال شراكاتها مع الصين وروسيا والولايات المتحدة، مؤكداً أن تحقيق نهضة اقتصادية حقيقية يتطلب إعطاء الأولوية للتعاون التجاري بين الدول الأفريقية.

فاتورة اقتصادية مرتفعة

يحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار تعثر تنفيذ الاتفاقية يحمل تكلفة اقتصادية باهظة على القارة.

وتشير تقديرات تقرير “المستقبل الأفريقي 2026” إلى أن استمرار الوضع الحالي حتى عام 2043 قد يؤدي إلى خسارة نحو 110.3 مليارات دولار من القيمة المضافة المحتملة في قطاع التصنيع، إضافة إلى ضياع فرص نمو في قطاع الخدمات تقدر بنحو 397.6 مليار دولار، مع بقاء الصادرات الأفريقية عند نحو 3.5% فقط من إجمالي الصادرات العالمية.

ويرى لحسن حداد أن هذا الواقع يكرس تجزئة السوق الأفريقية إلى عشرات الأسواق الصغيرة، ويضعف قدرتها على استقطاب الاستثمارات الأجنبية الكبرى التي تبحث عن أسواق واسعة ومتكاملة.

وأضاف أن غياب التكامل التجاري يرسخ استمرار اعتماد الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام، بدلاً من تطوير الصناعات المحلية وسلاسل القيمة داخل القارة.

من جانبه، أوضح رشيد ساري أن نحو 85% من صادرات أفريقيا تتجه إلى الأسواق الخارجية، رغم إمكانية الاستفادة منها داخل القارة، مشيراً إلى أن التطبيق الكامل للاتفاقية كان من شأنه زيادة التجارة البينية بنحو 276 مليار دولار، ورفع قيمة الصادرات بأكثر من 246 مليار دولار.

كما أشار إلى أن استمرار التعثر ينعكس سلباً على الأمن الغذائي، في ظل بقاء نحو 65% من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة غير مستغلة، بينما يعيش قرابة 30% من سكان القارة في أوضاع الفقر المدقع.

مكاسب استراتيجية مرتقبة

يرى الخبراء أن التطبيق الكامل لاتفاقية التجارة الحرة القارية من شأنه إحداث تحول اقتصادي كبير في أفريقيا، عبر إنشاء سوق موحدة تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك، بإجمالي ناتج محلي يناهز 3.4 تريليونات دولار.

ويؤكد سيد الخير عمرو أن هذه السوق الواسعة ستجذب مزيداً من الاستثمارات الأجنبية، وتسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي، فضلاً عن دعم الأمن الغذائي من خلال تسهيل انتقال المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية بين الدول وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية.

أما رشيد ساري، فيرى أن تعزيز التجارة البينية قد يمهد مستقبلاً لإطلاق نظام نقدي أفريقي أكثر تكاملاً وربما عملة موحدة، بما يخفف الاعتماد على العملات الأجنبية، ويزيد الاستثمارات، ويسهم في خفض معدلات البطالة بأكثر من 10%، مع تعزيز قدرة القارة على تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى