لماذا لا تنخفض أسعار البنزين بسرعة رغم تراجع أسعار النفط؟

لا يعني انخفاض أسعار النفط أو تراجع حدة التوترات الجيوسياسية أن أسعار البنزين ستتراجع بالسرعة نفسها، إذ تخضع سوق الوقود لعوامل متعددة تتجاوز تكلفة الخام، من بينها حجم المخزونات، وقدرة المصافي، وهوامش التكرير، وآليات التسعير، إضافة إلى سلوك المستهلكين.
ويرى الكاتب الاقتصادي جيمس سورويكي، في مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك»، أن استمرار ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة رغم فترات التهدئة في الحرب مع إيران يعكس طبيعة سوق الطاقة وآليات عملها، أكثر مما يعكس التطورات السياسية وحدها.
مخزونات أقل تعني ضغوطا أكبر
يوضح سورويكي أن سوق النفط العالمية كانت تتمتع في بداية الحرب بهوامش أمان أكبر، مستفيدة من مستويات مرتفعة نسبيا للمخزونات، إلى جانب عمليات السحب من الاحتياطيات النفطية الإستراتيجية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتراجع واردات الصين من الخام.
لكن هذه الهوامش تراجعت لاحقا، بالتزامن مع وصول الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي إلى مستويات هي الأدنى منذ عام 1983.
ويعني انخفاض المخزونات أن أي تراجع في أسعار النفط قد يدفع الدول والشركات إلى إعادة بناء احتياطياتها، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الخام ويحد من سرعة انخفاض الأسعار.
وبالتالي، فإن انخفاض سعر النفط في الأسواق العالمية لا يعني بالضرورة أن شركات الوقود ستنقل هذا الانخفاض فورا إلى المستهلكين.
التكرير يضيف تكلفة جديدة
ولا يتوقف الأمر عند سعر النفط الخام، إذ يمر الخام قبل وصوله إلى خزان وقود السيارة بمرحلة التكرير، وهي عملية تأثرت خلال الفترة الأخيرة باضطرابات مختلفة أدت إلى الضغط على قدرات الإنتاج.
كما ساهمت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية في استمرار الضغوط على قطاع التكرير وسلاسل إمداد المنتجات النفطية.
ويشير سورويكي إلى أن المصافي الأمريكية تعمل بالقرب من طاقتها القصوى، في الوقت الذي ارتفع فيه الفرق بين سعر النفط الخام وسعر المنتجات المكررة، وهو ما يعرف باسم هامش التكرير.
وعندما ترتفع هوامش التكرير، يمكن أن تظل أسعار البنزين مرتفعة حتى إذا شهد الخام تراجعا ملحوظا، لأن تكلفة تحويل النفط إلى وقود تصبح عاملا رئيسيا في تحديد السعر النهائي.
لماذا ترتفع الأسعار بسرعة وتنخفض ببطء؟
تتميز سوق الوقود بظاهرة لافتة تتمثل في سرعة انتقال ارتفاعات أسعار النفط إلى محطات الوقود، مقابل بطء انعكاس الانخفاضات.
ويشير الكاتب إلى أن أسعار النفط تراجعت بأكثر من 40% بعد التهدئة المؤقتة في يونيو/حزيران، بينما كان انخفاض أسعار البنزين أقل بكثير.
وأثار هذا التفاوت انتقادات من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي اتهم شركات النفط بالمبالغة في الأسعار وطالب بالتحقيق في ممارساتها.
لكن الدراسات الاقتصادية، بحسب المقال، لم تجد أدلة واضحة على وجود تواطؤ بين شركات الوقود لتأخير خفض الأسعار.
سلوك المستهلك يؤثر في الأسعار
ويرى سورويكي أن جزءا من تفسير بطء انخفاض أسعار البنزين يرتبط بسلوك المستهلكين والمنافسة في السوق.
فبعد أن يعتاد المستهلكون على ارتفاع الأسعار، قد تصبح حساسيتهم تجاه الفروق الصغيرة بين محطات الوقود أقل، خصوصا عندما تكون عوامل مثل قرب المحطة أو العلامة التجارية أهم بالنسبة إليهم من البحث عن السعر الأدنى.
وهذا السلوك يمنح بعض محطات الوقود مساحة أكبر للحفاظ على أسعار مرتفعة نسبيا حتى بعد تراجع تكلفة النفط الخام.
وبالتالي، فإن العلاقة بين النفط والبنزين ليست آلية وفورية، وإنما تمر عبر سلسلة من المراحل الاقتصادية التي يمكن أن تؤخر وصول انخفاض أسعار الخام إلى المستهلك.
تراجع النفط يحتاج إلى وقت حتى يظهر في محطات الوقود
ويؤكد الكاتب أن انخفاض أسعار النفط ينعكس في النهاية على أسعار البنزين، لكن انتقال التأثير يحتاج إلى فترة زمنية.
ويستشهد في هذا السياق بدراسة صادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، تشير إلى أن عملية التكيف في أسعار الوقود قد تستغرق أكثر من 16 أسبوعا.
وهذا التأخر يعني أن المستهلك قد لا يلمس الانخفاض في تكلفة البنزين مباشرة بعد تراجع النفط، لأن السوق تحتاج إلى استيعاب التغيرات في المخزونات، والتكرير، وتكاليف النقل والتوزيع، وهوامش الشركات.
سعر النفط ليس المؤشر الوحيد
وتكشف هذه المعطيات أن متابعة أسعار النفط الخام وحدها لا تكفي لتوقع حركة أسعار البنزين بدقة.
فالمخزونات، وطاقة التكرير، وهوامش المصافي، وتكاليف النقل، ومستوى المنافسة، وسلوك المستهلكين، كلها عوامل تدخل في تحديد السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
لذلك، قد تهبط أسعار النفط بصورة حادة دون أن ينعكس ذلك فورا على أسعار الوقود، كما أن ارتفاع الخام يمكن أن ينتقل بسرعة أكبر إلى محطات البنزين.
وفي النهاية، فإن بطء انخفاض أسعار البنزين لا يعني بالضرورة وجود تلاعب في السوق، بل قد يكون نتيجة طبيعية لطريقة عمل سلسلة الطاقة، التي تجعل تأثير التغيرات في أسعار النفط الخام تدريجيا ومتأخرا قبل أن يصل إلى المستهلك.







