تقنية

التوأم الجيني الرقمي.. كيف يمهد الذكاء الاصطناعي لعصر جديد من الطب الاستباقي؟

ماذا لو أصبح بإمكان الأطباء اكتشاف الأمراض قبل سنوات من ظهور أعراضها الأولى؟ وماذا لو أمكن اختبار عشرات العلاجات على نسخة رقمية تحاكي جسم المريض قبل وصف الدواء المناسب؟ هذه الرؤية لم تعد مجرد خيال علمي، بل أصبحت محور أبحاث متقدمة تقودها مؤسسات علمية وشركات تقنية حيوية من خلال تطوير ما يعرف بـ”التوأم الجيني الرقمي”.

ويمثل هذا الابتكار جيلا جديدا من تقنيات الطب الشخصي، إذ يعتمد على إنشاء نسخة رقمية تحاكي بعض الخصائص البيولوجية للمريض، من خلال دمج بيانات الحمض النووي، والمعلومات الجينومية، والسجلات الطبية، إلى جانب البيانات الصحية اليومية التي تجمعها الأجهزة القابلة للارتداء، مع الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي في التحليل والتنبؤ.

ويتيح هذا النموذج محاكاة سيناريوهات علاجية وبيولوجية مختلفة، بما يساعد على توقع احتمالات الإصابة ببعض الأمراض، أو تقدير مدى استجابة المريض لعلاج معين قبل استخدامه فعليا.

من محاكاة المحركات إلى محاكاة جسم الإنسان

لم يكن مفهوم “التوأم الرقمي” وليد القطاع الطبي، بل استخدم لسنوات في الصناعات الثقيلة والطيران، حيث تلجأ شركات مثل جنرال إلكتريك وبوينغ إلى إنشاء نسخ افتراضية للمحركات والأنظمة المعقدة، يتم تزويدها ببيانات تشغيل مستمرة للتنبؤ بالأعطال قبل وقوعها واتخاذ إجراءات الصيانة المناسبة.

أما في المجال الطبي، فقد تطور المفهوم ليصبح أكثر تعقيدا، إذ يجري إنشاء نموذج رقمي متزامن مع جسم الإنسان، يتم تحديثه بصورة دورية أو مستمرة وفقا لنوعية البيانات المتاحة.

وعند دمج المعلومات الوراثية مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يصبح بالإمكان إنشاء توأم جيني رقمي يتطور مع تغير نمط حياة الشخص، ويستخدم لمحاكاة سيناريوهات صحية متعددة وتقدير احتمالات تطور الأمراض مستقبلا.

الذكاء الاصطناعي يقرأ الجينوم البشري

تعتمد النماذج الحديثة على تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي باستخدام قواعد بيانات ضخمة تضم مليارات التسلسلات الوراثية، ما يمنحها القدرة على اكتشاف الأنماط الجينية المرتبطة بالأمراض والاستجابة للعلاجات.

ويعد مشروع “دكتور توين إيه آي” الذي طورته شركة “بريديكتيف إيه آي” من أبرز الأمثلة في هذا المجال، إذ يحول البيانات الجينومية إلى نموذج رقمي قابل للتحليل، قادر –بحسب الشركة– على التنبؤ بمخاطر أكثر من 22 ألف مرض، إضافة إلى تقدير الاستجابة المحتملة لأكثر من 210 أدوية.

كما طور باحثون في جامعة جونز هوبكنز نظام “جينو دي تي”، الذي يحاكي وظائف القلب اعتمادا على بيانات وراثية محددة، بهدف التنبؤ المبكر باضطرابات نظم القلب.

وفي المقابل، ظهرت فئة جديدة تعرف بالنماذج الجينومية، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي مستوحاة من آلية عمل النماذج اللغوية الكبيرة، لكنها تتدرب على تسلسلات الحمض النووي بدلا من النصوص.

ومن أبرز هذه النماذج “إيفو تو”، الذي طوره معهد “آرك” بالتعاون مع شركة “إنفيديا” وباحثين من جامعات ستانفورد وبيركلي وسان فرانسيسكو.

وقد جرى تدريب النموذج باستخدام نحو 9 تريليونات زوج قاعدي من الحمض النووي، مستخلصة من أطلس جينومي واسع يشمل مختلف أشكال الحياة، ما مكنه من التنبؤ بدقة بالتأثيرات الوظيفية للتغيرات الوراثية.

وأظهرت نتائج منشورة في دورية “نيتشر” أن النموذج تمكن من تحديد بعض الطفرات المسببة للأمراض، بما في ذلك الطفرات المرتبطة بجين سرطان الثدي، بدقة مرتفعة في اختبارات تصنيف المتغيرات الوراثية.

الانتقال من علاج المرض إلى توقعه قبل حدوثه

لطالما اعتمد الطب التقليدي على معالجة الأمراض بعد ظهور أعراضها، وهو ما يقلل فرص التدخل المبكر، خاصة في أمراض مثل السرطان التي قد تتطور بصمت لسنوات قبل اكتشافها.

لكن التوائم الجينية الرقمية تفتح الباب أمام نموذج جديد للرعاية الصحية يقوم على التنبؤ بالمخاطر الصحية قبل ظهور المرض، بما يسمح باتخاذ إجراءات وقائية تقلل احتمالات الإصابة أو تحد من تطور الحالة.

ولا يقتصر دور هذه التقنية على التشخيص المبكر، بل يمتد إلى تقييم العلاجات، إذ يمكن إدخال البيانات الوراثية والسريرية ونمط حياة المريض إلى النموذج الرقمي لمحاكاة كيفية استجابة الجسم لدواء معين، مع تقدير فعاليته والآثار الجانبية المحتملة قبل بدء العلاج الحقيقي.

تجارب سريرية افتراضية تقلل الوقت والتكاليف

شهدت الأبحاث أيضا تطورا في استخدام المرضى الافتراضيين داخل التجارب السريرية، حيث طورت شركة “أن ليرن إيه آي” نماذج رقمية تستند إلى بيانات تاريخية من تجارب سابقة، لتعمل كمجموعات ضبط افتراضية إلى جانب المشاركين الحقيقيين.

وأبدت الوكالة الأوروبية للأدوية استعدادها للنظر في استخدام هذه المنهجيات ضمن حالات محددة من التجارب السريرية، بينما تعاملت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية مع بعض تطبيقاتها في إطار اللوائح المنظمة للأدوات الطبية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.

كما أظهرت شراكة بين شركة “أن ليرن إيه آي” و”جونسون آند جونسون” إمكانية تقليص عدد المشاركين في مجموعات الضبط خلال المرحلة الثالثة من تجارب علاج مرض ألزهايمر بنحو الثلث، وفقا لنتائج الدراسة.

ويسهم هذا التوجه في تقليل تكاليف تطوير الأدوية وتسريع وصولها إلى المرضى، إلى جانب دعم اتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة، قائمة على الخصائص الفردية لكل مريض بدلا من الاعتماد على المتوسطات الإحصائية العامة.

تقنية واعدة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإثبات

ورغم الإمكانات الكبيرة التي يحملها التوأم الجيني الرقمي، فإن هذه التقنية لا تزال في مراحل التطوير والاختبار، إذ تستخدم حاليا كأداة داعمة ومكملة للطرق التقليدية، وليس بديلا كاملا عنها.

ويؤكد الباحثون أن اعتمادها بصورة واسعة في الممارسة الطبية يتطلب مزيدا من الدراسات السريرية والأدلة العلمية، إضافة إلى استيفاء المتطلبات التنظيمية اللازمة، قبل أن تصبح جزءا أساسيا من القرارات الطبية الحساسة المتعلقة بتشخيص الأمراض واختيار العلاجات.

زر الذهاب إلى الأعلى