الاستخدام المفرط للشاشات يهدد نوم الأطفال وتركيزهم.. والمحتوى أهم من عدد الساعات

لم تعد مخاطر قضاء الأطفال فترات طويلة أمام الهواتف والأجهزة اللوحية تقتصر على إجهاد العين، إذ يمكن أن تمتد آثار الاستخدام المفرط إلى اضطرابات النوم، وقلة النشاط البدني، وزيادة الوزن، وضعف التركيز، وتغيرات المزاج.
ولا يرتبط حجم التأثير بعدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشة فقط، بل يتأثر أيضا بطبيعة المحتوى الذي يتابعه، وتوقيت الاستخدام، وما قد يحل محل الأنشطة الأساسية لنموه، مثل النوم واللعب والحركة والتفاعل الاجتماعي.
وأكدت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، في سياستها المحدثة لعام 2026، أن التعامل مع الوسائط الرقمية ينبغي ألا يعتمد على احتساب وقت الشاشة وحده، وإنما يجب النظر أيضا إلى طبيعة المحتوى، وطريقة تصميم المنصات، والظروف التي يستخدم فيها الطفل الأجهزة، ومدى تأثير ذلك في الأنشطة الضرورية لصحته ونموه.
علامات تكشف الإفراط في استخدام الشاشات
تقول الدكتورة ريتا خليل، اختصاصية طب الأطفال في مستشفى الفردان الطبي ونورث وسترن مديسن في قطر، إن هناك مجموعة من التغيرات السلوكية التي يمكن أن تنبه الآباء إلى احتمال إفراط أطفالهم في استخدام الأجهزة الإلكترونية.
وتشمل أبرز هذه العلامات نوبات الغضب، والانشغال المستمر بالألعاب الإلكترونية، وفقدان الاهتمام باللعب التقليدي، إلى جانب تراجع التركيز والانتباه وضعف الذاكرة وانخفاض مستوى إنجاز الواجبات والأداء الدراسي.
وقد يظهر على الطفل أيضا ميل إلى العزلة أو صعوبات في العلاقات الاجتماعية، فضلا عن بعض الأعراض الجسدية، مثل الصداع واحمرار العينين، وهو ما يستدعي الانتباه إلى مدة استخدام الأجهزة وطريقة التعامل معها.
الشاشات قد تؤثر في النوم والوزن
يمكن لاستخدام الأجهزة الإلكترونية لفترات طويلة أن يؤخر موعد نوم الطفل، ويجعل الاستيقاظ في الصباح أكثر صعوبة، كما قد يؤدي إلى النعاس خلال النهار، وهو ما ينعكس بدوره على القدرة على التعلم والتركيز.
ولا يقتصر الأمر على النوم، إذ إن الساعات الطويلة أمام الشاشات تقلل الوقت المتاح للنشاط البدني واللعب، وقد تسهم في زيادة الوزن والإصابة بالسمنة وما يرتبط بها من مشكلات صحية واستقلابية، من بينها مقاومة الإنسولين.
وتوصي الدكتورة ريتا بتجنب استخدام الأجهزة قبل النوم بساعة على الأقل، مع الحفاظ على مسافة مناسبة بين الطفل والشاشة، والانتباه إلى وضعية الجسم والإضاءة المحيطة أثناء الاستخدام.
هل المحتوى التعليمي أكثر أمانا؟
لا تحمل جميع أشكال استخدام الشاشات التأثير نفسه، فهناك فرق بين قضاء ساعات طويلة في الألعاب الإلكترونية وبين استخدام الأجهزة في التعلم أو القراءة.
وتوضح الدكتورة ريتا أن تأثير الشاشة يرتبط بمجموعة عوامل، من بينها مدة الاستخدام ونوع المحتوى وتوقيته. فالإفراط في استخدام الأجهزة قد يزيد من احتمالات إجهاد العين والصداع وقلة الحركة، بينما يمكن للاستخدام المطول للألعاب الإلكترونية أن يؤثر في الانتباه والمزاج والنوم بطريقة تختلف عن الاستخدام المخصص للتعلم.
وتدعم الدراسات الحديثة أهمية النظر إلى السياق الذي تُستخدم فيه الشاشات، وليس إلى عدد الساعات وحده.
وأظهرت مراجعة منهجية وتحليل تلوي نشرا في مجلة “جاما لطب الأطفال”، وشملا 100 دراسة تناولت 176 ألفا و742 طفلا دون سن السادسة، أن طريقة استخدام الشاشات والسياق المحيط بها يرتبطان بنتائج مختلفة على نمو الأطفال.
ووجد الباحثون أن التعرض لمحتوى غير مناسب للعمر ارتبط بنتائج نفسية واجتماعية أسوأ، بينما ارتبط استخدام الشاشات بمشاركة أحد الوالدين بنتائج معرفية أفضل.
وتبرز هذه النتائج أهمية اختيار محتوى يتناسب مع عمر الطفل، إلى جانب مشاركة الوالدين في المشاهدة أو الاستخدام، بدلا من ترك الطفل أمام الأجهزة لفترات طويلة بمفرده.
كم من الوقت يمكن للأطفال استخدام الشاشات؟
تختلف التوصيات المتعلقة بوقت الشاشة بحسب عمر الطفل واحتياجاته.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بعدم تعريض الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنة للشاشات، كما توصي بألا يقضي الأطفال في عمر سنة وقتا أمام الشاشة أثناء الجلوس.
أما الأطفال بين عامين و4 أعوام، فتوصي المنظمة بألا يتجاوز وقت الشاشة ساعة واحدة يوميا، مع التأكيد على أن تقليل هذه المدة أكثر فائدة لصحة الطفل ونموه.
وتشمل هذه التوصيات مختلف الأنشطة التي يمارسها الطفل أثناء الجلوس، مثل مشاهدة التلفزيون ومقاطع الفيديو أو ممارسة ألعاب الحاسوب.
ولا يقتصر التأثير على الأجهزة التي يستخدمها الطفل مباشرة، إذ يمكن للتلفزيون المفتوح في الخلفية أن يؤثر أيضا في سلوكه، حتى عندما لا يكون متابعا لما يعرض عليه.
وأظهرت مراجعة نشرتها مجلة “جاما لطب الأطفال” ارتباط التعرض للتلفزيون في الخلفية بنتائج معرفية أسوأ لدى الأطفال دون السادسة، مشيرة إلى أن وجود شاشة مفتوحة أثناء اللعب يمكن أن يجذب انتباه الطفل ويشتته عن النشاط الذي يمارسه.
أما الأطفال في سن المدرسة والمراهقون، فلا تضع الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال حدا زمنيا موحدا لاستخدام الشاشات يصلح لجميع الحالات، في ظل عدم كفاية الأدلة التي تدعم اعتماد مدة واحدة لجميع هذه الفئات العمرية.
وبدلا من ذلك، تدعو الأكاديمية إلى التركيز على جودة الاستخدام وتحقيق التوازن بين وقت الشاشة والاحتياجات الأساسية الأخرى، وفي مقدمتها النوم والنشاط البدني واللعب والقراءة والتعلم والتفاعل مع الأسرة.
متى يتحول استخدام الألعاب إلى اضطراب؟
قد يشعر الطفل بالغضب عندما يطلب منه والداه إيقاف لعبة إلكترونية أو الابتعاد عن الهاتف، لكن هذا السلوك بمفرده لا يعني بالضرورة وجود اضطراب في الألعاب.
وتحدد منظمة الصحة العالمية ثلاثة مؤشرات رئيسية لاضطراب الألعاب، تتمثل في فقدان السيطرة على اللعب، ومنحه أولوية متزايدة على الأنشطة والاهتمامات الأخرى، والاستمرار في ممارسته رغم ظهور عواقب سلبية.
ولكي يصل الأمر إلى مستوى الاضطراب، يجب أن يكون السلوك شديدا بما يكفي للتسبب في تراجع واضح في جوانب مهمة من حياة الطفل، مثل العلاقات الأسرية والاجتماعية أو الأداء الدراسي، وأن يستمر هذا النمط عادة لمدة لا تقل عن 12 شهرا.
ويصبح اللجوء إلى طبيب أو اختصاصي نفسي للأطفال والمراهقين مناسبا عندما يؤثر استخدام الشاشات بشكل واضح ومستمر في دراسة الطفل أو علاقاته أو أنشطته اليومية، أو عندما تعجز الأسرة عن ضبط الاستخدام رغم وضع حدود واضحة.
وبذلك، لا يكمن التحدي في منع الشاشات بصورة مطلقة، وإنما في تنظيم استخدامها بما يحافظ على التوازن بين العالم الرقمي والاحتياجات الأساسية للطفل من نوم وحركة ولعب وتعلم وتفاعل اجتماعي.







