الأخبار الدولية

البطيخ يعود إلى واجهة الجدل.. جنود إسرائيليون يثيرون انتقادات واسعة بسبب رمز الهوية الفلسطينية

أثار مقطع فيديو متداول يظهر جنودا إسرائيليين وهم يتناولون البطيخ داخل قطاع غزة موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما نشره جندي إسرائيلي سابق من داخل القطاع، مرفقا إياه بتعليق ساخر قال فيه إن «البطيخ هو إسرائيل».

وأثار التعليق والمشهد المصور انتقادات من متابعين رأوا فيه محاولة للاستحواذ على رمز ارتبط على مدى عقود بالهوية الفلسطينية، خصوصا أن ألوان البطيخ الأربعة، الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، تتطابق مع ألوان العلم الفلسطيني.

وتفاعل مستخدمون مع الفيديو بعبارات انتقدت ما اعتبروه محاولة للاستحواذ على الرموز الثقافية الفلسطينية، فيما ركز آخرون على المفارقة التي يمثلها استخدام البطيخ في هذا السياق، بعدما أصبح أحد أشهر الرموز البصرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

كيف تحول البطيخ إلى رمز فلسطيني؟

لم تكتسب ثمرة البطيخ مكانتها الرمزية لدى الفلسطينيين بسبب ألوانها فحسب، بل ارتبط استخدامها تاريخيا بظروف سياسية شهدت قيودا على إظهار العلم الفلسطيني.

وبعد حرب عام 1967، أصبح البطيخ أحد الأساليب الرمزية للتعبير عن الهوية الفلسطينية، في ظل القيود التي فرضتها السلطات الإسرائيلية آنذاك على رفع العلم الفلسطيني وإظهاره في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبفضل ألوانه التي تجمع الأحمر والأخضر والأبيض والأسود، وجد الفلسطينيون في البطيخ بديلا بصريا قادرا على التعبير عن الهوية الوطنية من دون إظهار العلم بصورة مباشرة.

ومع مرور السنوات، تطورت دلالة الرمز، وأصبح البطيخ حاضرا في الأعمال الفنية والملصقات والرسومات وغيرها من أشكال التعبير عن الهوية الفلسطينية.

رمز حاضر بقوة منذ اندلاع الحرب على غزة

عاد البطيخ إلى الواجهة بصورة أكبر مع الحرب على غزة، إذ انتشر استخدام صورته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي، وأصبح وسيلة للتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

كما ظهر الرمز في مظاهرات وفعاليات تضامنية في عدد من دول العالم، وتحول تدريجيا إلى أحد الرموز الأكثر انتشارا في الخطاب البصري المؤيد للفلسطينيين.

ولهذا السبب، اعتبر منتقدون أن ظهور جنود إسرائيليين في غزة وهم يتناولون البطيخ، بالتزامن مع التعليق الذي يربط الثمرة بإسرائيل، يتجاوز كونه مشهدا عابرا، ويرتبط بالنسبة إليهم بصراع أوسع حول الرموز والذاكرة والهوية.

الجدل يتجاوز البطيخ إلى التراث الفلسطيني

ولا يقتصر النقاش حول البطيخ على رمزيته السياسية، بل يأتي ضمن جدل أوسع بشأن ملكية عناصر من الثقافة والتراث الفلسطيني، إذ يتهم فلسطينيون إسرائيل بمحاولات تقديم بعض المكونات الثقافية الفلسطينية والعربية باعتبارها جزءا من هوية إسرائيلية.

ويبرز الطعام في مقدمة هذه القضايا، حيث دار خلال العقود الماضية جدل واسع بشأن أطباق مثل الحمص والفلافل والتبولة والمقلوبة وغيرها من المأكولات المنتشرة في فلسطين وبلاد الشام والمنطقة العربية.

ويشير فلسطينيون وكتاب وطهاة إلى أن الطعام لم يكن بعيدا عن الصراع على الذاكرة والهوية، خصوصا منذ ما بعد عام 1948، عندما أصبحت عناصر الحياة اليومية جزءا من النقاش المتعلق بالتاريخ والوجود والهوية الوطنية.

ومع انتشار المطاعم الإسرائيلية في المدن الغربية، تصاعدت انتقادات من طهاة فلسطينيين قالوا إن أطباقا ذات جذور فلسطينية وعربية تقدم أحيانا تحت مسميات تربطها بالمطبخ الإسرائيلي، وهو ما دفع بعضهم إلى إطلاق مشاريع وكتابة مؤلفات تهدف إلى توثيق المطبخ الفلسطيني وإبراز جذور أطباقه.

التطريز والأزياء في قلب صراع الهوية

ويمتد هذا الجدل كذلك إلى الأزياء الشعبية والتطريز الفلسطيني، اللذين يشكلان جزءا مهما من التراث الثقافي الفلسطيني.

فالثوب الفلسطيني وأنماط التطريز المختلفة لا ينظر إليهما باعتبارهما مجرد ملابس تقليدية، بل بوصفهما وسيلة لحفظ الذاكرة الثقافية ونقلها بين الأجيال، ولذلك أصبحا حاضرين بقوة في الفعاليات الثقافية والفنية المرتبطة بالهوية الفلسطينية.

وبهذا المعنى، لا يمثل البطيخ بالنسبة إلى كثير من الفلسطينيين مجرد صورة لثمرة ذات ألوان مميزة، وإنما تحول إلى رمز بصري يحمل دلالة تتصل بالعلم والهوية والوجود، وهو ما يفسر حجم التفاعل الذي أثاره الفيديو الأخير، في ظل استمرار الجدل الأوسع حول الثقافة والتراث والرموز المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

زر الذهاب إلى الأعلى