من إيران إلى إندونيسيا: معرض تونس الدولي للكتاب يوسّع خرائط الثقافة في دورته الأربعين

تستضيف الدورة الأربعون من معرض تونس الدولي للكتاب، التي افتُتحت قبل يومين وتستمر حتى الثالث من مايو/أيار، 38 دولة، في ارتفاع يعكس اتساع الحضور الدولي للحدث الثقافي الأبرز في البلاد. هذا التنوع العددي، رغم بساطته الظاهرة، يترجم تحولا أعمق في موقع المعرض داخل الخريطة الثقافية الإقليمية والدولية.
وبين أروقة القاعة الرئيسية، يبرز الحضور الإيراني للمرة الأولى منذ سنوات، إلى جانب مشاركة إندونيسيا كضيف شرف، في خطوة تنقل المعرض من فضائه العربي-المتوسطي التقليدي إلى نطاق آسيوي أكثر اتساعا. هذا التحول لا يقتصر على الرمزية الجغرافية، بل يمتد إلى طبيعة النقاشات الثقافية التي يتيحها تداخل هذه الخلفيات المختلفة.
وتصف المديرة العامة للمؤسسة الوطنية لتنمية المهرجانات والتظاهرات الثقافية والفنية، هند مقراني، هذه الدورة بأنها “محطة استثنائية” بحكم كونها احتفالية الأربعين سنة من عمر المعرض، معتبرة أنها تمثل انتقالا نحو مرحلة جديدة في تاريخه. وترى أن تنوع المشاركين، عربيا ودوليا، يعكس مكانة تونس كفضاء ثقافي مفتوح على محيطه دون قيود.
القائمة العربية المشاركة تمتد لتشمل معظم الجغرافيا الثقافية في المنطقة، من الخليج إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام، حيث تحضر السعودية والإمارات وسلطنة عمان والأردن ومصر وليبيا والعراق وسوريا ولبنان والمغرب والجزائر وموريتانيا، في حضور يعزز الطابع الإقليمي العابر للحدود للمعرض.
في الجناح الإيراني، تتجاور الإصدارات الكلاسيكية والمعاصرة من الأدب الفارسي مع مساحة مخصصة لما تسميه طهران “التضامن الإنساني”، عبر زاوية تسلط الضوء على ضحايا مدرسة “الشجرة الطيبة” في ميناب، مع إتاحة المجال للزوار لكتابة رسائل مواساة. غير أن وصول الكتب إلى تونس لم يكن مباشرا، إذ واجهت المشاركة عراقيل لوجستية بسبب إغلاق المجال الجوي، ما استدعى ترتيبات بديلة عبر دول وسيطة لضمان حضور الإصدارات في الموعد.
أما الجناح الإندونيسي، فيقدم صورة مختلفة لثقافة جنوب شرق آسيا عبر كتب وعروض موسيقية وتراثية، إضافة إلى ندوة بعنوان “من جاكرتا إلى قرطاج”، في إشارة رمزية إلى بناء جسور ثقافية بين فضاءات جغرافية متباعدة. ويؤكد سفير إندونيسيا في تونس، زهيري مصراوي، أن المشاركة تعكس إيمانا بدور الكتاب كأداة أساسية لبناء الحضارات، معتبرا أن الإقبال الكبير من الشباب والأطفال يمنح المعرض بعده الحيوي المتجدد.
بهذا التنوع، لا يبدو معرض تونس الدولي للكتاب مجرد فضاء لعرض الإصدارات، بل منصة تتقاطع فيها الجغرافيا الثقافية والسياسية، وتُعاد عبرها صياغة علاقات رمزية بين الشرق والغرب، وبين المركز والهامش، في مشهد يعكس تحولات أوسع في دور المعارض الثقافية داخل العالم العربي.







