ثقافة

كتاب “دروس القدس وفلسطين”.. مشروع أكاديمي لترسيخ “وعي مقاوم” في مواجهة محو الذاكرة

تأتي القضية الفلسطينية اليوم في قلب صراع لا يقتصر على الجغرافيا والسياسة، بل يمتد إلى المجال المعرفي وإنتاج السرديات التاريخية، في ظل ما يصفه باحثون بمحاولات منظمة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني ومحو ذاكرته الثقافية. وفي هذا السياق، يبرز كتاب “دروس القدس وفلسطين – Kudüs ve Filistin Dersleri” الصادر عن مطبعة جامعة ماردين أرتقلو، بوصفه مشروعاً أكاديمياً يسعى إلى ترسيخ حضور فلسطين داخل الفضاء التعليمي الجامعي.

يمتد الكتاب على 535 صفحة، ويضم 25 دراسة علمية و43 مادة وثائقية، ويُصمم ليكون مقرراً دراسياً لطلبة البكالوريوس والدراسات العليا، مع توجه لترجمته إلى العربية والإنجليزية بما يوسع نطاق تأثيره الأكاديمي.

مشروع معرفي متعدد التخصصات

يقوم العمل، الذي أشرف عليه البروفيسور إبراهيم أوزجوشار، على رؤية تعتبر أن دراسة فلسطين لا يمكن اختزالها في تخصص واحد، بل تتطلب مقاربة بينية تشمل التاريخ والعلوم السياسية والدراسات الدينية وعلم الاجتماع وذاكرة المكان.

ويطرح الكتاب مفهوم “الوعي المقاوم”، باعتباره إطاراً معرفياً يربط بين إنتاج المعرفة والدفاع عن الوجود الجمعي، في مواجهة ما يصفه مؤلفوه بـ“المحو المعرفي”.

بنية الكتاب: سبعة فصول وملحق وثائقي

يتوزع الكتاب على سبعة فصول رئيسية:

  • الفصل الأول: تأسيس المفاهيم وإعادة تفكيك الخطاب الاستعماري حول القدس وفلسطين.
  • الفصل الثاني: مقاربات لاهوتية لدور القدس في اليهودية والمسيحية.
  • الفصل الثالث: قراءة تاريخية ممتدة من العصور الإسلامية حتى العهد العثماني.
  • الفصل الرابع: تحليل الصهيونية والاستعمار والانتداب البريطاني وبنية المشروع الإحلالي.
  • الفصل الخامس: المكان والفن كأدوات للذاكرة والمقاومة الثقافية.
  • الفصل السادس: حقوق الإنسان والمقاومة والواقع الفلسطيني الراهن.
  • الفصل السابع: استشراف مستقبل القضية الفلسطينية وتحولاتها.

أما الملحق الوثائقي، فيُعد أحد أبرز عناصر الكتاب، إذ يضم مواد تعريفية بالأماكن والأحداث والشخصيات، ويحوّل المحتوى إلى ما يشبه “أرشيفاً سردياً” يربط الجغرافيا بالتاريخ والذاكرة.

بين المعرفة والسياسة: “حراسة الذاكرة”

يطرح الكتاب فكرة مركزية مفادها أن إنتاج المعرفة حول فلسطين لم يعد فعلاً أكاديمياً محايداً، بل أصبح جزءاً من معركة الوعي. ويؤكد أن حماية الذاكرة التاريخية تمثل شرطاً أساسياً لمواجهة محاولات إعادة تشكيل السردية.

ويستند هذا التوجه إلى مقاربة تعتبر أن التعليم الجامعي يمكن أن يكون أداة لصناعة وعي نقدي قادر على قراءة التاريخ بوصفه مساحة صراع على المعنى، وليس مجرد تسلسل أحداث.

إسهام تركي في حقل دراسات فلسطين

يعكس صدور الكتاب من جامعة تركية تصاعد الاهتمام الأكاديمي في تركيا بدراسات القدس وفلسطين خلال السنوات الأخيرة، حيث باتت بعض الجامعات مراكز إنتاج معرفي في هذا المجال.

ويرى القائمون على المشروع أن موقع مدينة ماردين الجغرافي والتاريخي، باعتبارها نقطة تماس حضارية بين الأناضول وبلاد الشام، يمنحه بعداً رمزياً إضافياً في سياق معالجة القضية الفلسطينية.

آفاق وتحديات

رغم الطموح الأكاديمي للمشروع، يشير الكتاب نفسه إلى مجموعة من التحديات، من بينها الحاجة إلى:

  • توسيع المشاركة البحثية الفلسطينية المباشرة
  • تطوير معاجم اصطلاحية مبسطة للطلبة
  • دعم المحتوى الرقمي والخرائط التفاعلية
  • تعزيز الطابع البيني في الدراسات المستقبلية

وفي المقابل، يُطرح الكتاب كمنصة قابلة للتوسع نحو مشاريع تعليمية متعددة اللغات، قد تفتح المجال أمام بناء شبكة أكاديمية أوسع لدراسات فلسطين.

خلاصة

يمثل “دروس القدس وفلسطين” محاولة لتثبيت القضية الفلسطينية داخل الفضاء الأكاديمي باعتبارها موضوعاً معرفياً وأخلاقياً في آن واحد، لا مجرد ملف سياسي. وبينما تتصاعد الصراعات حول الرواية والتاريخ، يقدّم هذا العمل نموذجاً لمقاربة تعتبر أن حماية الذاكرة جزء من حماية الوجود نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى