اقتصاد

من المرآب إلى “أمازون إيران”: كيف صنعت العزلة الرقمية منظومة ابتكار في إيران؟

في شتاء عام 2006، لم يكن التوأمان الإيرانيان حامد وسعيد محمدي يتوقعان أن تجربة شراء كاميرا رقمية في أسواق طهران ستتحول إلى نقطة تحول في مسار التجارة الإلكترونية في البلاد. تجربة شراء فاشلة، وسوق يفتقر للشفافية وتقييمات المستخدمين، دفعت الشقيقين إلى التشكيك في المنظومة التجارية نفسها، لا في المنتج فقط.

من داخل مرآب منزلي وبموارد محدودة، انطلقت فكرة إنشاء منصة “ديجي كالا”، على أساس بسيط لكنه جذري في ذلك الوقت: بناء الثقة عبر مراجعات دقيقة وحيادية للمنتجات. هذا الرهان سرعان ما تحول إلى نجاح واسع، إذ أصبحت المنصة لاحقًا تهيمن على الجزء الأكبر من سوق التجارة الإلكترونية الإيراني، لتُوصف بأنها “أمازون إيران”.

لكن قصة “ديجي كالا” لم تكن مجرد قصة شركة ناشئة ناجحة، بل مدخلًا لفهم بنية أوسع تشكلت تحت ضغط العزلة الاقتصادية والرقمية.

خلال العقود الماضية، وخاصة بعد تصاعد العقوبات الدولية على إيران، وجدت البلاد نفسها أمام انقطاع واسع عن البنى التحتية الرقمية العالمية، بما في ذلك أنظمة الدفع الدولية، وخدمات الحوسبة السحابية، ومتاجر التطبيقات. هذا الوضع دفع السوق المحلي إلى تطوير بدائل داخلية، ليس فقط كحل مؤقت، بل كمنظومة متكاملة تعمل بمعزل شبه كامل عن النظام الرقمي العالمي.

في هذا السياق، لم تكن “ديجي كالا” حالة منفردة، بل جزءًا من موجة أوسع من الشركات والمنصات التي نشأت لتملأ الفراغ، مثل منصات النقل والتوصيل والخدمات الرقمية، وصولًا إلى تطبيقات أصبحت تُعرف محليًا باسم “التطبيقات الفائقة” التي تجمع عدة خدمات في منصة واحدة.

هذا النموذج منح الشركات الإيرانية قدرة على التكيف مع بيئة معزولة نسبيًا، وسمح لها ببناء خبرات محلية عميقة في مجالات الدفع الإلكتروني، والخدمات اللوجستية، وإدارة البيانات. لكنه في المقابل فرض قيودًا واضحة على التوسع العالمي، بسبب صعوبة الاندماج في الشبكات المالية والتقنية الدولية.

في القطاع الصحي أيضًا، امتدت هذه البنية الرقمية إلى خدمات مثل السجلات الطبية الإلكترونية، والوصفات الرقمية، وتطبيقات الطب عن بعد، خصوصًا خلال جائحة كوفيد-19، التي سرّعت من اعتماد هذه الحلول في ظل الضغط على النظام الصحي التقليدي.

غير أن هذا “الابتكار تحت الحصار” لا يخلو من كلفة. فإلى جانب تعزيز الاكتفاء المحلي، خلقت العزلة الرقمية تحديات تتعلق بالجودة، والأمان، والخصوصية، فضلًا عن تقييد قدرة الشركات على المنافسة خارج الحدود.

في المحصلة، تبدو التجربة الإيرانية مثالًا معقدًا على كيفية تحويل القيود إلى دافع للابتكار، وفي الوقت نفسه إلى عامل يعيد تشكيل سقف النمو نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى