نظام “بيكس” البرازيلي يشعل خلافاً تجارياً مع واشنطن وسط مخاوف على شركات المدفوعات الأمريكية

تحول نظام المدفوعات الفورية البرازيلي “بيكس” (Pix) خلال سنوات قليلة إلى الوسيلة الأكثر استخداماً للدفع الإلكتروني في البرازيل، بعدما نجح في تقليل تكاليف التحويلات المالية وتوسيع الشمول المالي، إلا أن نجاحه وضعه في قلب خلاف تجاري متصاعد بين البرازيل والولايات المتحدة.
وتعتبر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن النظام يمنح أفضلية غير عادلة للجهات المحلية على حساب شركات المدفوعات الأمريكية، في وقت تدرس فيه واشنطن فرض رسوم جمركية جديدة على بعض الصادرات البرازيلية.
من مشروع حكومي إلى أكبر نظام للدفع في البرازيل
أطلق البنك المركزي البرازيلي نظام “بيكس” أواخر عام 2020 بهدف تنفيذ التحويلات المالية بشكل فوري وعلى مدار الساعة، عبر تطبيقات البنوك وشركات التكنولوجيا المالية.
ويتيح النظام إرسال واستقبال الأموال خلال ثوانٍ باستخدام رقم الهاتف أو البريد الإلكتروني أو رمز تعريف خاص، كما يمكن للتجار استقبال المدفوعات بسهولة عبر رموز الاستجابة السريعة (QR Code).
وخلال فترة قصيرة، أصبح “بيكس” الوسيلة الأكثر انتشاراً للدفع في البلاد، إذ يمثل نحو 54% من إجمالي عمليات الدفع، بينما يستخدمه قرابة 80% من سكان البرازيل، أي أكثر من 170 مليون مستخدم.
مليارات العمليات ورسوم منخفضة
حقق النظام نمواً غير مسبوق في حجم المعاملات، حيث عالج خلال شهر مايو وحده نحو 7.9 مليارات عملية مالية بقيمة تجاوزت 3.48 تريليونات ريال برازيلي، أي ما يعادل نحو 686 مليار دولار.
ويرجع هذا الانتشار الكبير إلى انخفاض تكلفته، إذ تُقدم الخدمة مجاناً للأفراد وأصحاب المشاريع الصغيرة، بينما يدفع التجار رسوماً منخفضة لا تتجاوز في المتوسط 0.22% من قيمة العملية، مقارنة بأكثر من 1% لبطاقات الخصم ونحو 2.2% لبطاقات الائتمان.
كما ساعد النظام أكثر من 70 مليون برازيلي على دخول المنظومة المالية لأول مرة، ما عزز الشمول المالي في أكبر اقتصاد بأمريكا اللاتينية.
لماذا تعترض الولايات المتحدة؟
ترى واشنطن أن البنك المركزي البرازيلي يجمع بين دور المنظم والمشغل والمالك للنظام، وهو ما تعتبره إخلالاً بقواعد المنافسة.
كما تعترض الإدارة الأمريكية على إلزام المؤسسات المالية الكبرى بتوفير خدمة “بيكس” داخل تطبيقاتها، وإظهارها في الواجهة الرئيسية، إضافة إلى منع فرض رسوم على المستخدمين، معتبرة أن هذه الإجراءات تمنح النظام الحكومي أفضلية على الشركات الخاصة.
ويقول مكتب الممثل التجاري الأمريكي إن هذه السياسة تجبر المؤسسات، بما فيها الشركات الأمريكية، على الترويج لنظام منافس دون مقابل.
ضغوط على شركات البطاقات العالمية
أدى الانتشار السريع لـ”بيكس” إلى تراجع الاعتماد على بطاقات الدفع التقليدية، إذ انخفضت حصة بطاقات الائتمان في السوق البرازيلية من 23% عام 2020 إلى نحو 15% حالياً.
ويرى خبراء أن النظام أصبح منافساً مباشراً لشبكات بطاقات الخصم والائتمان العالمية، وعلى رأسها الشركات الأمريكية، الأمر الذي يفسر تصاعد الضغوط السياسية والتجارية المرتبطة به.
رسوم جمركية محتملة وتوتر سياسي
يأتي هذا الخلاف في وقت تدرس فيه الولايات المتحدة فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على بعض الواردات البرازيلية، بدعوى وجود ممارسات تجارية تمييزية، ويُعد نظام “بيكس” أحد أبرز الملفات المطروحة في هذا السياق.
ويتزامن ذلك مع استعداد البرازيل لخوض انتخابات رئاسية خلال الأشهر المقبلة، ما يمنح القضية بعداً سياسياً إضافياً، خاصة مع احتدام المنافسة بين الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ومنافسه فلافيو بولسونارو.
ويرى مراقبون أن الخلاف تجاوز كونه نزاعاً حول وسيلة دفع إلكترونية، ليعكس صراعاً أوسع على مستقبل أنظمة المدفوعات الرقمية، وهيمنة شركات البطاقات العالمية، ودور الدولار في الاقتصاد الرقمي العالمي.







