تقنية

سباق الذكاء الاصطناعي بين أميركا والصين.. عندما تتحول الرقائق والطاقة إلى أدوات قوة

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال تقني تتنافس الشركات على تطويره، بل أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بالقوة الاقتصادية والأمنية للدول الكبرى، في ظل سباق أميركي صيني يتجاوز تطوير النماذج والخوارزميات إلى الرقائق والطاقة ومراكز البيانات والقدرات الحوسبية.

ومع الاستعداد لإجراء محادثات بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ في واشنطن خلال سبتمبر/أيلول بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، تتضح أبعاد أخرى لهذا التنافس، حيث تتداخل التكنولوجيا المتقدمة مع حسابات الأمن القومي والاستخبارات والردع العسكري.

من التفوق التقني إلى خيارات أكثر تصعيدا

أثار تقرير صادر عن مركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS)، ونقلته صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، نقاشا حول السيناريوهات التي يمكن أن تلجأ إليها واشنطن في حال تمكنت الصين من الوصول أولا إلى ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعي العام» (AGI).

ويقصد بالذكاء الاصطناعي العام نظام افتراضي يمتلك قدرة على أداء مجموعة واسعة من المهام بمستوى يقترب من القدرات البشرية، بدلا من اقتصار النظام على مهمة أو نطاق محدد.

ويدعو جاكوب ستوكس، نائب مدير برنامج أمن المحيطين الهندي والهادي في مركز الأمن الأميركي الجديد، المؤسسات الأميركية، بما فيها وزارة الحرب ووكالة الأمن القومي، إلى دراسة طبيعة المعلومات الاستخباراتية التي يمكن أن تكون ضرورية لتقييم خيارات تتدرج من التحركات الدبلوماسية إلى عمليات التجسس والهجمات السيبرانية، وصولا إلى الخيارات العسكرية.

ويرى ستوكس أن فهم الخصائص التقنية للذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في استشراف انعكاساته السياسية والأمنية، في نهج يشبه، بحسب ما نقلته الصحيفة، الطريقة التي أعاد بها ظهور السلاح النووي تشكيل التفكير الإستراتيجي خلال القرن الماضي.

لكن التقرير يذهب إلى سيناريو أكثر حساسية، إذ يناقش إمكانية استهداف مراكز بيانات قد تستخدم في المستقبل لتدريب أو تشغيل نظام صيني للذكاء الاصطناعي العام، إلى جانب طرح فكرة الحصول على التكنولوجيا الصينية بوسائل استخباراتية أو إجراء هندسة عكسية لها.

وتستند هذه الأفكار، بحسب الطرح الوارد في التقرير، إلى تقديرات بشأن أهمية منع حدوث قفزة مفاجئة في القدرات الصينية، في وقت لا تزال فيه واشنطن تعتبر نفسها متقدمة في بعض مجالات الذكاء الاصطناعي المتطور.

مراكز البيانات تدخل حسابات الأمن القومي

يعكس هذا النقاش تحولا في النظرة إلى مراكز البيانات، التي لم تعد مجرد منشآت تخدم التطبيقات التجارية والخدمات الرقمية، بل أصبحت جزءا من البنية التحتية التي يعتمد عليها تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

فالنماذج الكبرى تحتاج إلى كميات هائلة من الرقائق المتطورة والطاقة وأنظمة التبريد وشبكات الاتصال، ما يجعل القدرة على بناء وتشغيل مراكز الحوسبة عاملا مؤثرا في المنافسة التكنولوجية بين الدول.

وفي هذا السياق، حذر وليام هارتونغ، محلل شؤون التسلح في مشروع الرقابة الحكومية بواشنطن، من المخاطر المترتبة على اعتبار مراكز البيانات أهدافا محتملة، مشيرا إلى أن توجيه ضربة إلى منشآت صينية بناء على احتمال استخدامها مستقبلا في تطوير الذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين قوتين نوويتين.

وتكشف هذه المسألة عن مفارقة في السباق التكنولوجي؛ فكلما ازدادت أهمية الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الأمن القومي، أصبحت البنية التحتية التي تقوم عليها قدراته، بما فيها مراكز البيانات وشبكات الكهرباء، جزءا من الحسابات الإستراتيجية.

وبحسب تقديرات شركة «إيبوك إيه آي» الواردة في التقرير، تحتفظ الولايات المتحدة بفارق زمني يصل إلى عدة أشهر في بعض نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، لكن ستوكس يحذر من احتمال حدوث تقدم صيني مفاجئ.

ويستند هذا التقييم إلى التطور الذي تحققه الصين في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي المجسد، وهي تقنيات تجمع بين قدرات الإدراك والخوارزميات والتفاعل مع البيئة المادية.

الصين تراهن على قوة الحوسبة والطاقة

في الجانب الآخر من المنافسة، تركز رواية صينية على عنصر مختلف من عناصر القوة في الذكاء الاصطناعي، وهو الكهرباء.

فمع تزايد أحجام النماذج وتعقيد عمليات التدريب والتشغيل، تصبح القدرة على توفير كميات ضخمة من الكهرباء بصورة مستقرة ومنخفضة التكلفة عاملا مؤثرا في سرعة تطوير النماذج وتكلفة استخدامها وإمكانية نشرها على نطاق واسع.

وتقدم صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية مجمع «سوغون 8000» في مدينة تشنغتشو بمقاطعة خنان مثالا على هذا الاتجاه. وتصف الصحيفة المنشأة بأنها أول مجمع حوسبة فائق للذكاء الاصطناعي صيني بالكامل، ويضم نحو 100 ألف بطاقة حوسبة، ويشكل إحدى العقد المهمة في شبكة الحوسبة الفائقة الوطنية.

وتبلغ مساحة المنشأة نحو ألفي متر مربع، وتعتمد تقنية التبريد بالغمر باستخدام سائل متغير الطور، وهي تقنية تهدف إلى تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل الجزء المخصص من الكهرباء للتخلص من الحرارة.

وبحسب الصحيفة، يمكن للمنشأة، إذا خصصت قدراتها بالكامل للاستدلال، أن توفر ما بين 5% و10% من الطلب المحلي الصيني على الرموز.

وترى «غلوبال تايمز» أن إحدى نقاط القوة الصينية تكمن في ارتباط مراكز الحوسبة بشبكة كهرباء موحدة، إلى جانب شبكات نقل الكهرباء فائقة الجهد والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.

ونقلت الصحيفة عن جانغ شياورونغ، مدير معهد أبحاث التكنولوجيا المتطورة في بكين، أن هذه المنظومة تتيح نقل الطاقة من المناطق التي تتمتع بتكاليف إنتاج منخفضة إلى مراكز الأحمال والحوسبة على مسافات طويلة، بما يساعد على تلبية الطلب المتزايد الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي.

الكهرباء تتحول إلى أحد مفاتيح السباق

تكشف أرقام استهلاك الكهرباء عن حجم التحدي الذي يفرضه توسع الذكاء الاصطناعي في البلدين.

فوفقا لما أوردته «غلوبال تايمز»، استهلكت مراكز الحوسبة الصينية نحو 170 مليار كيلوواط/ساعة خلال عام 2025، وهو ما يعادل قرابة 1.6% من إجمالي استهلاك الكهرباء في البلاد، مع توقعات بارتفاع الاستهلاك إلى نحو 800 مليار كيلوواط/ساعة بحلول عام 2030.

أما مراكز البيانات في الولايات المتحدة، فقد استهلكت نحو 192 مليار كيلوواط/ساعة خلال عام 2024، أي ما يعادل حوالي 4.7% من الاستهلاك الأميركي. ووفق السيناريو المرجعي الوارد في التقرير، قد يصل استهلاكها إلى 649 مليار كيلوواط/ساعة، أو نحو 11.8% من إجمالي الكهرباء الأميركية بحلول 2030.

ولا يرتبط التحدي الأميركي بحجم الطاقة المتاحة فقط، وإنما بقدرة شبكات الكهرباء على إيصال كميات كبيرة من الطاقة بالمواصفات والاستقرار المطلوبين إلى المواقع التي تتجمع فيها مراكز البيانات.

وبذلك، لم يعد السباق على الذكاء الاصطناعي محصورا في امتلاك أفضل نموذج أو أسرع شريحة، بل بات يشمل منظومة متكاملة تبدأ من الرقائق وقدرات التصنيع، وتمتد إلى مراكز البيانات وشبكات الاتصال والطاقة، وصولا إلى الاعتبارات الأمنية والإستراتيجية التي قد تحدد شكل المنافسة بين واشنطن وبكين خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى