الأخبار الدولية

تراجع الثقة الأمريكية وتصاعد التوتر مع أوروبا خلال الحرب على إيران

في المراحل الأولى من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بعثت إدارة الرئيس دونالد ترمب برسائل حازمة إلى حلفائها الأوروبيين مفادها أنها تسيطر على مجريات الأمور وتثق في تحقيق أهدافها، داعية إياهم إلى التركيز على أولوياتهم الخاصة. غير أن هذا الموقف لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما تبدلت النبرة الأمريكية دون أن تقترن بتحديد واضح لما تريده واشنطن من شركائها الأوروبيين.

ووفقاً لما نقلته مجلة “ذي أتلانتيك”، أكد مسؤولون ألمان أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) أظهرت في بداية الحرب ثقة كبيرة، حيث طلبت من الدول الأوروبية التركيز على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، في مواجهة روسيا، بينما تتولى الولايات المتحدة إدارة الملف الإيراني وبقية قضايا الشرق الأوسط. ووصف أحد المسؤولين الألمان هذه المرحلة بقوله إن الأمريكيين “كانوا واثقين للغاية”.

لكن هذه الثقة تآكلت سريعاً مع تعثر تحقيق نصر سريع، ما دفع ترمب إلى توجيه انتقادات لاذعة لحلف الناتو، متهماً إياه بالتقاعس عن دعم الولايات المتحدة.

ضربة داخل البنتاغون تعمّق الارتباك

في خضم هذه التطورات، تعرض فريق إدارة العلاقات العسكرية مع حلفاء الناتو داخل البنتاغون لما وصفته المجلة بـ”ضربة قوية”. ففي مارس الماضي، تم نقل مارك جونز، مدير سياسة الناتو في مكتب وزير الدفاع، بشكل مفاجئ، بسبب اعتباره غير منسجم مع الرؤية المتشككة لإدارة ترمب تجاه الحلف.

جونز، الذي أمضى أكثر من عقدين في العمل على ملفات الناتو وأوروبا، كان يُنظر إليه كأحد أعمدة المؤسسة داخل البنتاغون. إلا أن دعمه القوي للحلف جعله عرضة للانتقادات داخل الإدارة، التي رأت فيه ميلاً مفرطاً لصالح الناتو.

وقد أدى إبعاده—الذي لم يُعلن عنه سابقاً—إلى إضعاف التنسيق الأمريكي مع الشركاء الأوروبيين، في وقت كانت فيه الحرب على إيران تزيد من تعقيد العلاقات عبر الأطلسي.

ومع امتناع الدول الأوروبية عن المشاركة العسكرية، تصاعد استياء ترمب، الذي وصف بعض دول الناتو بـ”الجبناء” لعدم إرسال قوات بحرية لفتح مضيق هرمز، وذهب إلى حد وصف الحلف بأنه “نمر من ورق”.

تفاقم الخلافات واتساع الفجوة عبر الأطلسي

شهدت العلاقات بين واشنطن والعواصم الأوروبية مزيداً من التوتر مع بداية مايو، على خلفية تقارير عن نية الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في ألمانيا، في خطوة فُهمت على أنها رسالة سياسية للحلفاء، خاصة في ظل توجه أوروبي لإعادة تقييم الاعتماد الأمني على واشنطن.

وجاء ذلك بعد خلاف علني بين ترمب والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، إثر تصريحات الأخير التي انتقد فيها القيادة الإيرانية، ما دفع الرئيس الأمريكي للرد بغضب عبر منصته “تروث سوشال”، واصفاً ميرتس بأنه “لا يفقه شيئاً”.

وفي أعقاب هذا التوتر، أعلن ترمب أن إدارته تدرس تقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا، قبل أن يشير البنتاغون لاحقاً إلى خطة لسحب نحو 5 آلاف جندي خلال العام المقبل. وتعد ألمانيا مركز الثقل العسكري الأمريكي في أوروبا، حيث تستضيف نحو 38 ألف جندي، إضافة إلى منشآت استراتيجية مثل قاعدة رامشتاين ومقر القيادة الأوروبية.

تنسيق هش ومواقف أوروبية متباينة

كشفت الحرب على إيران عن ضعف واضح في التنسيق بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأبرزت فجوة متزايدة في الثقة داخل المعسكر الغربي. ففي حين سعت واشنطن إلى دعم أوروبي في تأمين مضيق هرمز، اعتبرت عدة عواصم أوروبية أن النزاع لا يخدم مصالحها المباشرة، محذرة من مخاطر توسيع نطاق المواجهة وتحمل أعباء إضافية.

ورغم سماح ألمانيا باستخدام قاعدة رامشتاين لتنفيذ عمليات عسكرية، اتخذت دول أخرى مواقف أكثر تحفظاً؛ إذ أغلقت إسبانيا مجالها الجوي، ومنعت إيطاليا هبوط قاذفات أمريكية في صقلية، فيما ترددت بريطانيا في البداية قبل أن تعدل موقفها لاحقاً.

رسائل متناقضة واستراتيجية غير واضحة

تعكس هذه التطورات تحولاً عميقاً في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا. فبينما اعتاد الأوروبيون النظر إلى واشنطن كقائد تقليدي للناتو، اتسمت سياسة إدارة ترمب بازدواجية واضحة، إذ طالبت الحلفاء بتحمل مسؤوليات أكبر، وفي الوقت نفسه انتقدتهم بشدة عند عدم الاستجابة، دون تقديم تصور واضح لمتطلبات المشاركة.

وبحسب مسؤولين أوروبيين، لم تتلق العواصم الأوروبية طلبات محددة من واشنطن بشأن طبيعة الدعم المطلوب في الحرب على إيران، على عكس ما كان يحدث في الحملات العسكرية السابقة، حيث كانت الولايات المتحدة تنسق بشكل منهجي مع حلفائها.

ورغم الإشارات إلى الحاجة لاستخدام قواعد عسكرية أو قدرات لإزالة الألغام في مضيق هرمز، بقيت المطالب الأمريكية العامة غامضة، وهو ما زاد من حالة الارتباك لدى الشركاء الأوروبيين.

في المقابل، نفى البنتاغون هذه الانتقادات، مؤكداً أنه كان واضحاً في مطالبه، وأن الحلفاء طُلب منهم المساهمة في مواجهة تهديد يمس أمن أوروبا بقدر ما يمس الولايات المتحدة.

تحول استراتيجي يدفع أوروبا نحو الاعتماد الذاتي

في ظل هذه التوترات غير المسبوقة، دفعت السياسات الأمريكية المتقلبة والهجمات العلنية على الحلفاء، القادة الأوروبيين إلى إعادة التفكير في موقعهم داخل المنظومة الأمنية الغربية. وبرز توجه متزايد نحو تعزيز الركيزة الأوروبية داخل حلف الناتو، وتحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، في محاولة لتقليل الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى