الحرب على إيران تكشف حدود الدفاع الجوي الأمريكي وتدفع أوروبا لإعادة صياغة عقيدتها العسكرية

تستخلص المؤسسات العسكرية حول العالم دروسًا واسعة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، إلا أن أبرز تلك الدروس يتعلق بمستقبل منظومات الدفاع الجوي، بعدما أظهرت التطورات الأخيرة أن التفوق العسكري لم يعد مرهونًا فقط بجودة التكنولوجيا، بل بقدرة المخزونات العسكرية والقاعدة الصناعية على الصمود في حروب الاستنزاف الطويلة.
فقد كشفت العمليات العسكرية الأخيرة، التي أُطلق عليها “عملية الغضب الملحمي”، عن حدود عملية لمنظومات الدفاع الجوي الأمريكية، بعدما تعرضت مخزونات الصواريخ الاعتراضية لاستهلاك كثيف خلال فترة زمنية قصيرة، ما حوّل النقاش من سؤال: من يمتلك التكنولوجيا الأفضل؟ إلى سؤال أكثر واقعية: من يمتلك مخزونًا يكفي لحرب طويلة؟
استهلاك ضخم للمنظومات الأمريكية
منذ انطلاق الحملة في 28 فبراير/شباط، استُخدمت بكثافة ثلاثة أعمدة رئيسية في الدفاع الجوي الأمريكي، وهي:
- صواريخ ثاد (THAAD) لاعتراض الصواريخ الباليستية في الطبقات العليا.
- صواريخ إس إم-3 (SM-3) ضمن منظومة أيجيس البحرية.
- صواريخ باتريوت PAC-3 MSE المخصصة للصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز.
وتشير تقديرات مراكز بحثية أمريكية إلى استهلاك أكثر من 11 ألف قطعة ذخيرة خلال أول 16 يومًا من القتال، بتكلفة تقارب 26 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الضغط على المخزون الأمريكي.
كما أُطلق نحو 1300 صاروخ باتريوت خلال هذه الفترة، بينما لا يتجاوز الإنتاج السنوي الأمريكي 600 صاروخ، أي أن ما استُهلك في أسبوعين يعادل إنتاج عامين كاملين.
ضغط على الحلفاء وتحويل الموارد
هذا الاستنزاف دفع واشنطن إلى إعادة توزيع مواردها الدفاعية، عبر نقل بطاريات وصواريخ من أوروبا وآسيا إلى الشرق الأوسط، مع تأخير بعض الشحنات المخصصة لأوكرانيا وتايوان، ما أثار قلقًا داخل حلف شمال الأطلسي.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات بين أوروبا وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب توترًا متزايدًا بشأن أعباء الدفاع الجماعي، الأمر الذي يدفع العواصم الأوروبية إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على المظلة الأمريكية.
أوروبا تبني دفاعًا متعدد الطبقات
بدلًا من البحث عن نسخة أوروبية واحدة من منظومة باتريوت، تتجه أوروبا نحو بناء شبكة دفاع جوي متكاملة ومتعددة المستويات، تشمل:
- طبقة قصيرة المدى للتعامل مع المسيّرات والتهديدات منخفضة الكلفة.
- طبقة متوسطة المدى لاعتراض الطائرات وصواريخ كروز، مثل أنظمة IRIS-T وNASAMS.
- طبقة بعيدة المدى لاعتراض الصواريخ الباليستية، مثل منظومة SAMP/T الفرنسية الإيطالية.
ويُنظر إلى نظام سامب/تي باعتباره الأقرب أوروبيًا إلى قدرات باتريوت، إذ يستطيع التعامل مع الصواريخ الباليستية والطائرات والمسيّرات ضمن شبكة دفاعية متكاملة.
معركة الصناعة قبل المعركة العسكرية
أثبتت الحرب الأخيرة أن امتلاك السلاح المتطور لا يكفي وحده، إذا لم تدعمه قاعدة إنتاج قادرة على التعويض السريع. لذلك، أصبح مستقبل الدفاع الجوي مرتبطًا بقدرة الدول على التصنيع المستمر، وتوفير الذخائر، وإدارة التكلفة القتالية، لا بمجرد شراء المنظومات.
نقطة تحول عالمية
تشير المؤشرات إلى أن العالم دخل مرحلة جديدة في التفكير العسكري، حيث لم تعد المنظومات الدفاعية تُقاس بفاعليتها التقنية فقط، بل بقدرتها على البقاء والاستمرار تحت الضغط. ومن المرجح أن تدفع هذه الحرب كثيرًا من الدول إلى إعادة هيكلة دفاعاتها الجوية وفق مفهوم الشبكات المتعددة الطبقات والاستدامة الصناعية.







