الأخبار الوطنية

فاتح مايو في موريتانيا: بين ضغوط الواقع ورهانات التحول

محمد عبد الله ولد بين يكتب :

يأتي فاتح مايو، العيد الدولي للعمال، هذا العام في سياق دقيق تعيشه الطبقة العاملة في موريتانيا، حيث تتقاطع التحديات الداخلية مع التحولات الاقتصادية العالمية، فتُثقل كاهل الأجراء وتضعهم أمام معادلة صعبة: كيف يمكن الحفاظ على الكرامة المعيشية في ظل ارتفاع الأسعار وثبات الأجور؟
لقد بات ضعف القوة الشرائية العنوان الأبرز لواقع العمال، مع موجات تضخم متلاحقة طالت المواد الأساسية والخدمات، دون أن تواكبها زيادات معتبرة في الرواتب، التي هي في الأصل متدنية. ويزداد هذا الوضع تعقيدًا حين نضعه في سياق الأزمات الدولية، وعلى رأسها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وما رافقها من اضطراب في سلاسل الإمداد وارتفاع في أسعار الطاقة والغذاء، إضافة إلى التوترات في منطقة الخليج التي ساهمت في تعميق الاختلالات الاقتصادية عالميًا. كل ذلك انعكس بشكل مباشر على اقتصادات الدول النامية، ومنها موريتانيا، التي تعتمد شريحة واسعة من أسرها على دخل الأجور المحدود.
وفي الداخل، تتعدد أوجه الهشاشة داخل الطبقة العاملة نفسها. فهناك عمال الدعم والعقدويون الذين يفتقدون للاستقرار الوظيفي والحماية الاجتماعية الكافية، إلى جانب فئة المتقاعدين التي تعاني من التهميش وضعف المعاشات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة. أما أغلب الأسر الموريتانية، فهي رهينة دخل وحيد غالبًا، ما يجعل أي اهتزاز في القدرة الشرائية ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي.
غير أن هذه الصورة، رغم قسوتها، لا تخلو من بارقة أمل. إذ يعلق العمال آمالًا متزايدة على الإرادة السياسية التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، من خلال برنامج “طموحي للوطن”، الذي يطرح تصورًا شاملًا للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي. ويأمل الشغيلة أن تترجم هذه الرؤية إلى إجراءات ملموسة، تعيد التوازن بين الأجور والأسعار، وتعزز العدالة الاجتماعية، وتمنح الفئات الهشة نصيبها العادل من ثمار التنمية.
وتبرز في هذا السياق التحولات الاقتصادية المرتقبة، خاصة مع دخول موريتانيا مرحلة استغلال الغاز، كفرصة تاريخية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني. فحسن إدارة هذه الموارد الجديدة، في إطار من الشفافية ومحاربة الفساد، يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتحسين أوضاع العمال، سواء عبر خلق فرص عمل جديدة، أو تمويل سياسات اجتماعية أكثر إنصافًا، أو دعم القدرة الشرائية للأسر.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في توفر الموارد، بل في كيفية توزيعها، وفي بناء منظومة حكامة رشيدة تضمن وصول آثار النمو إلى مختلف فئات المجتمع. وهنا تتعاظم أهمية برامج محاربة الفساد، ليس فقط كخيار أخلاقي، بل كضرورة اقتصادية واجتماعية لضمان نجاعة السياسات العمومية.
إن فاتح مايو، في معناه العميق، ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو لحظة للتقييم والمساءلة، وفرصة لإعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول العدالة الاجتماعية وكرامة العمل. وبين التحديات القائمة والفرص المتاحة، يبقى الأمل معقودًا على تلاقي الإرادة السياسية مع تطلعات العمال، من أجل بناء موريتانيا أكثر إنصافًا، حيث لا يكون العمل مجرد وسيلة للبقاء، بل طريقًا للعيش الكريم والمشاركة في صناعة المستقبل.

زر الذهاب إلى الأعلى