محاكمة بشار الأسد غيابياً.. بين الرمزية السياسية وحدود التأثير القانوني

افتتحت سوريا أولى جلسات محاكمات العدالة الانتقالية بمشهد استثنائي، حين نادى قاضي محكمة الجنايات فخر الدين العريان: المتهم الأول بشار الأسد، ليردد حاجب المحكمة النداء بصوته الجهوري داخل القصر العدلي في دمشق.
الرئيس السوري المخلوع، الذي حكم البلاد قرابة ربع قرن بعد عقود من حكم والده حافظ الأسد، لم يكن حاضراً الجلسة، ويُعتقد أنه تابعها من العاصمة الروسية موسكو، حيث لجأ عقب سقوط نظامه في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024.
كما غاب شقيقه ماهر الأسد، المتهم الثالث في القضية، بينما حضر عاطف نجيب، ابن خالتهما والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، ليقف مكبل اليدين داخل قفص الاتهام.
ارتياح شعبي ومطالب بالقصاص
أثار انطلاق المحاكمة موجة ارتياح واسعة بين السوريين الذين يتهمون رموز النظام السابق بالمسؤولية عن القتل والتعذيب والانتهاكات بحق مئات الآلاف.
وتوافد عدد من ذوي الضحايا إلى المحكمة مطالبين بتحقيق العدالة، فيما دعا بعضهم إلى تنفيذ حكم الإعدام بحق عاطف نجيب شنقاً في ساحة الجامع العمري بمدينة درعا، باعتبارها من أولى المناطق التي شهدت المواجهات مع بداية الثورة.
السلطات: الإجراءات قانونية وشفافة
وأكد متحدث باسم وزارة العدل السورية أن المحاكمة جاءت بعد استكمال جميع الإجراءات القانونية المطلوبة، موضحاً أن هذا النوع من القضايا يحتاج إلى وقت لجمع الأدلة والشهادات واستكمال المسارات القضائية.
وأضاف أن علنية الجلسات تأتي في إطار تعزيز الشفافية واستقلال القضاء، وضمن مسار العدالة الانتقالية، مشيراً إلى أن هذه القضية تمثل بداية لسلسلة محاكمات ستشمل متورطين آخرين في انتهاكات جسيمة.
من جهته، أوضح المحامي العام في دمشق حسام خطاب أن مثول عاطف نجيب في قفص الاتهام يحمل دلالة رمزية كبيرة، باعتباره من أوائل المسؤولين الذين يُتهمون بإصدار أوامر إطلاق النار على متظاهرين سلميين في محافظة درعا عام 2011.
من التحقيق إلى المحكمة
وأشار خطاب إلى أن القضية مرت بمراحل متعددة، بدأت لدى الجهات المختصة في وزارة الداخلية، ثم أُحيلت إلى قاضي التحقيق الخاص بالعدالة الانتقالية، وبعدها إلى قاضي الإحالة، وصولاً إلى محكمة الجنايات التي عقدت جلستها الأولى.
ومنذ سقوط النظام السابق، اعتُقل عدد من رموزه، بينما فر آخرون إلى الخارج، وتسعى السلطات السورية إلى استردادهم، وفي مقدمتهم بشار الأسد الموجود في روسيا.
هل تفتح المحاكمة باب تسليم الأسد؟
أثارت المحاكمة تساؤلات قانونية وسياسية بشأن ما إذا كانت قد تشكل أساساً لمطالبة موسكو بتسليم الأسد لمحاكمته حضورياً.
ويرى أستاذ القانون الدولي رائد أبو بدوية أن من الأهداف الإستراتيجية لهذه المحاكمة نزع غطاء الحصانة السياسية الذي وفرته روسيا للأسد، ومنح المجتمع الدولي مبرراً قانونياً للمطالبة بتسليمه.
لكنه شدد على أن ذلك يبقى نظرياً، لأن غياب اتفاقيات تسليم ملزمة أو قرارات صادرة عن مجلس الأمن يسمح لروسيا برفض أي طلب، سواء بدعوى السيادة أو الطابع السياسي للمحاكمة.
محدودية الأثر القانوني الدولي
في المقابل، يرى الباحث السوري حسام الحافظ أن الحماس الشعبي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن العدالة الانتقالية ما زالت في بداياتها، وأن المحاكمة الغيابية لا تؤسس قانونياً لإدانة شاملة للنظام السابق.
وأوضح أن قانون العقوبات السوري الصادر عام 1949 لا يتضمن تعريفات مستقلة لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية، كما أن المسؤولية الجنائية فيه تقوم على الأفعال المباشرة لا المسؤولية القيادية.
وبناءً على ذلك، يعتبر الحافظ أن أي حكم يصدر وفق قانون محلي يفتقر إلى توصيف الجرائم الدولية لن يفرض التزامات قانونية على الدول الأخرى، ولن يكون كافياً لتفعيل ملاحقات دولية واسعة.
قيمة المحاكمة في التوثيق والتراكم
ورغم تلك المحددات، يتفق مراقبون على أن المحاكمة قد تمثل سجلاً مهماً من الأدلة والشهادات يمكن الاستفادة منه لاحقاً في ملفات قانونية أوسع.
ويخلص أبو بدوية إلى أن محاكمة بشار الأسد غيابياً تمثل بداية مسار أكثر من كونها نهاية، وأن قيمتها الحقيقية لا تكمن فقط في الحكم المتوقع، بل في ما قد تبنيه مستقبلاً من توثيق ومساءلة وتراكم قانوني.
بين الرمز والسياسة
في المحصلة، تتأرجح محاكمة الأسد ورموز نظامه بين كونها إنجازاً رمزياً يلامس ذاكرة الضحايا، وبين كونها أداة سياسية وقانونية في صراع لم يُغلق بعد.
وقد لا يكون النجاح الفوري في إحضار الأسد إلى قفص الاتهام، بل في تحويل ملفه إلى قضية قانونية مفتوحة تلاحقه وتلاحق داعميه أينما وجدوا.







