قضية “الجهاز السري لحركة النهضة” في تونس.. واحدة من أكثر الملفات السياسية والقضائية إثارة للجدل

تُعد القضية المعروفة إعلاميًا باسم “الجهاز السري لحركة النهضة” من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للانقسام في المشهد السياسي التونسي خلال العقد الأخير، إذ تدور حول اتهامات بوجود جهاز أمني موازٍ تابع لحركة النهضة، يُزعم تورطه في ملفات اغتيالات سياسية والتجسس واختراق مؤسسات الدولة، وهي اتهامات تنفيها الحركة بشكل قاطع، وتعتبرها ذات خلفية سياسية.
وفي عام 2026، صدرت بحق عدد من المتهمين في القضية أحكام قضائية متفاوتة، كان أبرزها الحكم بالسجن مدى الحياة مع إضافة 30 سنة بحق رئيس البرلمان السابق وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، إلى جانب صدور أحكام أخرى وصفت بالقاسية بحق قيادات سياسية وأمنية مرتبطة بالملف، ما أعاد القضية إلى صدارة الجدل العام في تونس.
خلفية القضية: من اغتيالات 2013 إلى إعادة فتح الملف
تعود جذور الملف إلى اغتيال السياسيين التونسيين شكري بلعيد ومحمد براهمي عام 2013، وهما حادثتان شكّلتا نقطة تحول حادة في المسار السياسي بعد الثورة التونسية عام 2011، وأدتا إلى احتجاجات واسعة وأزمة سياسية عميقة.
لاحقًا، أعيد فتح الملف في 2022 بعد شكاوى تقدمت بها أطراف من هيئة الدفاع عن الضحيتين، تتهم ما وصفته بـ”الجهاز السري” بالضلوع في الاغتيالات، قبل أن يتم تحويل الملف في سبتمبر/أيلول 2023 إلى القطب القضائي لمكافحة الإرهاب للنظر فيه.
وفي سياق متصل، شهد أبريل/نيسان 2023 توقيف راشد الغنوشي بعد مداهمة أمنية لمنزله، ثم إيداعه السجن لاحقًا على خلفية قضايا أخرى مرتبطة بتصريحات سياسية.
موقف حركة النهضة
تنفي حركة النهضة باستمرار وجود أي “جهاز سري” داخل هياكلها التنظيمية، وتؤكد أن كل ما ورد في هذا السياق يدخل ضمن ما تصفه بـ”التجاذبات السياسية” ومحاولات تشويهها في مرحلة ما بعد 2011.
كما تؤكد الحركة أن قياداتها، ومن بينهم راشد الغنوشي، تتم محاكمتهم في قضايا ذات طابع سياسي، وليست جنائية بالمعنى الموضوعي الذي تطرحه السلطات.
في المقابل، تشدد السلطات التونسية على أن القضاء مستقل، وأن جميع الإجراءات تتم في إطار قانوني، مع نفي وجود أي معتقلين على خلفية سياسية.
الاتهامات المركزية في الملف
تركز الاتهامات التي قدمتها هيئة الدفاع عن شكري بلعيد ومحمد براهمي على وجود جهاز سري مزعوم متورط في:
التجسس واختراق مؤسسات الدولة
التنسيق في قضايا أمنية حساسة
التغطية على عمليات اغتيال سياسية
كما تحدثت الهيئة عن ما وصفته بـ”غرفة سوداء” داخل وزارة الداخلية تحتوي وثائق مرتبطة بالتحقيقات، إضافة إلى اتهامات لقيادات أمنية وسياسية بالتلاعب أو الإدلاء بشهادات كاذبة.
اغتيال بلعيد وبراهمي: نقطة التحول
شكري بلعيد، المحامي والسياسي اليساري البارز، اغتيل في 6 فبراير/شباط 2013 أمام منزله في تونس، في حادثة فجّرت أزمة سياسية حادة واحتجاجات واسعة.
أما محمد براهمي، القيادي القومي وعضو المجلس الوطني التأسيسي، فقد اغتيل في 25 يوليو/تموز 2013، ما أدى إلى تصعيد الأزمة السياسية وتعليق عمل المجلس التأسيسي لاحقًا.
وقد نُسبت لاحقًا عمليات الاغتيال إلى عناصر متشددة، بينها من ارتبطوا بتنظيمات جهادية، فيما لا يزال الجدل السياسي والقضائي حول طبيعة التخطيط والمسؤوليات قائمًا حتى اليوم.
ملف مفتوح على انقسام سياسي حاد
لا تزال قضية “الجهاز السري” واحدة من أكثر الملفات حساسية في تونس، ليس فقط بسبب طابعها القضائي، بل لأنها تمسّ مرحلة ما بعد الثورة، وتنعكس مباشرة على الانقسام السياسي بين أنصار حركة النهضة وخصومها.
وبين رواية ترى في الملف قضية أمن دولة واغتيالات سياسية منظمة، وأخرى تعتبره أداة لتصفية حسابات سياسية، يبقى الملف مفتوحًا على مزيد من التطورات القضائية والسياسية في تونس.







