الجينات الموروثة قد تفسر لماذا يصاب بعض المدخنين بالسرطان دون غيرهم

أظهرت دراسة علمية حديثة أن الاختلافات الجينية الموروثة بين الأشخاص قد تؤدي دورا مهما في تحديد كيفية استجابة الجسم للعوامل المسببة للسرطان، وهو ما قد يساعد في تفسير سبب إصابة بعض المدخنين بالمرض، بينما لا يصاب به آخرون رغم تعرضهم لعوامل الخطر نفسها.
ونشرت الدراسة في دورية نيتشر (Nature)، وركزت على معرفة تأثير الخلفية الجينية في نشوء الأورام وتطورها. ولتحقيق ذلك، استخدم الباحثون سلالات مختلفة جينيا من الفئران، وعرضوها للجرعة نفسها من مادة كيميائية معروفة بقدرتها على إحداث تلف في الحمض النووي.
وأظهرت النتائج أن الجينات الموروثة لا تتحكم فقط في احتمالية الإصابة بالسرطان، وإنما قد تؤثر أيضا في نوعية الطفرات التي تظهر داخل الورم والمسارات البيولوجية التي يتبعها المرض أثناء تطوره.
نحو 600 ورم تكشف تأثير الجينات
حلل العلماء قرابة 600 ورم نشأت لدى فئران تنتمي إلى خلفيات جينية مختلفة، ولاحظوا أن كثيرا من الأورام وصلت في مراحل متقدمة إلى حالات بيولوجية متشابهة، لكن الطفرات التي أدت إلى تلك الحالات كانت مختلفة من حيوان إلى آخر.
ويشير ذلك إلى أن ورمين قد يبدوان متشابهين في مرحلة متقدمة من المرض، رغم أن كليهما نشأ عبر مسارات جزيئية مختلفة، تتأثر جزئيا بالتركيب الجيني الذي ورثه الكائن الحي.
وتعزز هذه النتائج الفكرة القائلة إن العوامل الوراثية لا تحدد فقط قابلية الإنسان الأولية للإصابة بالسرطان، بل يمكن أن تؤثر أيضا في الطريقة التي يتطور بها الورم بعد نشوئه.
وقد تكون لهذه النتائج أهمية مستقبلية في تطوير أساليب أكثر دقة للوقاية من السرطان وتشخيصه وعلاجه، من خلال مراعاة الخصائص الجينية لكل مريض وطبيعة الورم لديه، بدلا من التعامل مع جميع الحالات باعتبارها متشابهة.
وجاءت الدراسة نتيجة تعاون بحثي دولي شاركت فيه جامعة كامبريدج وجامعة إدنبرة وعدد من الجامعات والمؤسسات البحثية في أوروبا والولايات المتحدة.
وقاد البحث البروفيسور دنكان أودوم، والدكتورة سارة أيتكن، والبروفيسور مارتن تايلور، بهدف دراسة الدور الذي تؤديه الجينات الموروثة في تحديد طبيعة الأورام والطفرات التي تتراكم داخلها.
كيف يتطور السرطان داخل الجسم؟
ينشأ السرطان نتيجة تراكم طفرات وتغيرات في الحمض النووي للخلايا، وهو ما قد يمنحها القدرة على النمو والانقسام بصورة خارجة عن السيطرة.
وفي الظروف الطبيعية، تمتلك الخلايا آليات متعددة للتعامل مع التلف، إذ يمكنها التوقف عن الانقسام لإصلاح الضرر، أو التخلص من نفسها من خلال عملية الموت المبرمج المعروفة باسم الاستماتة.
لكن عندما تتراكم تغيرات جينية معينة، قد تتمكن الخلايا المتضررة من تجاوز هذه الآليات والاستمرار في الانقسام، الأمر الذي يمكن أن يؤدي مع مرور الوقت إلى تشكل ورم.
وتوجد عوامل بيئية عديدة قادرة على إحداث تلف في الحمض النووي. ويعد دخان السجائر من أبرزها، إذ يحتوي على مواد مسرطنة يمكنها إلحاق أضرار بخلايا الرئتين وزيادة احتمال تراكم الطفرات.
كما يمكن للأشعة فوق البنفسجية الناتجة عن التعرض للشمس أن تسبب تلفا في الحمض النووي لخلايا الجلد، مما يزيد خطر الإصابة بسرطانات الجلد.
ومع ذلك، فإن التعرض للعامل المضر نفسه لا يؤدي بالضرورة إلى النتيجة ذاتها لدى جميع الأشخاص، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة دور الاختلافات الجينية في تحديد كيفية تعامل الخلايا مع التلف.
الجينات قد توجه مسار تطور الورم
أوضح البروفيسور دنكان أودوم، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن نشوء السرطان وتطوره لا يحدثان بصورة عشوائية بالكامل، مشيرا إلى أن الأورام قد تصل في نهاية المطاف إلى حالات بيولوجية متقاربة، لكن المسار الذي تسلكه للوصول إليها يمكن أن يتأثر بالتركيب الجيني للفرد.
وقال أودوم إن الباحثين تمكنوا من إظهار مدى تأثير الخلفية الجينية في كل من عمليات نشوء الطفرات والمسارات التي تقود إلى تطور الأورام.
وتعني هذه النتيجة أن الجينات الموروثة لا تعمل بالضرورة كعامل يحدد بصورة مباشرة ما إذا كان الشخص سيصاب بالسرطان أم لا، لكنها قد تؤثر في الطريقة التي تستجيب بها الخلايا للتلف الناتج عن المواد المسرطنة.
وبالتالي، يمكن لعامل بيئي واحد أن يدفع خلايا أشخاص مختلفين إلى اتباع مسارات جزيئية مختلفة، اعتمادا على الاختلافات الموجودة في خلفياتهم الوراثية.
لماذا يصاب بعض المدخنين بسرطان الرئة؟
تقدم الدراسة أحد التفسيرات العلمية المحتملة للسؤال الذي طالما أثار اهتمام الباحثين: لماذا يصاب بعض الأشخاص الذين يدخنون لسنوات طويلة بسرطان الرئة، بينما لا يظهر المرض لدى آخرين رغم تعرضهم للتدخين لفترات طويلة؟
ولا تعني هذه النتائج بأي حال من الأحوال أن بعض الأشخاص يمتلكون حماية جينية تجعل التدخين آمنا بالنسبة إليهم، أو أن هناك أشخاصا محصنين ضد أضرار دخان السجائر.
فالتدخين يظل أحد أهم عوامل الخطر المرتبطة بسرطان الرئة، كما يرتبط بزيادة خطر الإصابة بأنواع أخرى متعددة من السرطان.
لكن الدراسة تشير إلى أن الطريقة التي يتعامل بها الجسم مع الضرر الناجم عن التدخين قد تختلف بين شخص وآخر، وأن الجينات الموروثة يمكن أن تؤثر في كيفية تراكم الطفرات داخل الخلايا وفي المسار الذي يتخذه الورم بعد نشوئه.
وبعبارة أخرى، قد يتعرض شخصان للعامل المسرطن نفسه، لكن خلاياهما لا تستجيبان بالضرورة بالطريقة نفسها، ما قد يؤدي إلى اختلافات في طبيعة الطفرات وتطور المرض.
أهمية النتائج في علاج السرطان مستقبلا
قد تفتح هذه النتائج الباب أمام فهم أكثر دقة للاختلافات الكبيرة بين مرضى السرطان، حتى عندما تكون الأورام متشابهة من حيث الشكل أو الموقع.
فمعرفة الخلفية الجينية للمريض، إلى جانب دراسة الطفرات الموجودة في الورم، قد تساعد مستقبلا في تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، وفهم كيفية تطور الأورام، وربما اختيار العلاجات الأكثر ملاءمة لكل حالة.
وتنسجم هذه الفكرة مع الاتجاه المتزايد نحو الطب الشخصي، الذي يعتمد على الخصائص الجينية والجزيئية للمريض والورم عند اتخاذ القرارات العلاجية.
ومع ذلك، فإن نتائج الدراسة لا تعني أن العوامل الوراثية وحدها تحدد مصير الإنسان، إذ يظل نمط الحياة والتعرض للعوامل البيئية والعمر وعوامل أخرى جزءا من منظومة معقدة تحدد خطر الإصابة بالسرطان.
وتؤكد الدراسة في النهاية أن العلاقة بين الجينات والبيئة أكثر تعقيدا من مجرد وجود عامل مسبب للمرض، إذ يمكن للتركيب الجيني أن يغير الطريقة التي تتفاعل بها الخلايا مع الضرر، وبالتالي أن يؤثر في المسار الذي يسلكه السرطان منذ بدايته وحتى تطوره.







